كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 104 """"""
سليمان بعده فسألها أن تعطيه الخاتم فقالت : ألم تأخذه ؟ قال : لا وخرج من مكانه . ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً ، فأنكر الناس حكمه ، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا : إنا قد أنكرنا هذا ، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا حكمه ، فأبكى النساء عند ذلك . فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرءوها ، فطار الشيطان من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم في البحر فابتلعه الحوت . فأقبل سليمان في حالته التي كان فيها حتى انتهى إلى صيادين وهو جائع فاستطعمهم من صيدهم وقال : إني سليمان بن داود . فقام إليه بعضهم فضربه بعصاه فشجه . فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر ، فلام الصيادون صاحبه الذي ضربه وقالوا : بئسما صنعت حيث ضربته . فقال : إنه زعم أنه سليمان بن داود فأعطاه سمكتين . فقام إلى ساحل البحر فشق بطونهما وجعل يغسلهما ، فوجد خاتمه في بطن إحداهما ، فأخذه ولبسه ، ورد الله تعالى عليه ملكه وبهاءه ، وجاءت الطير فعكفت عليه ، فعرفه القوم فقاموا يعتذرون إليه مما صنعوا . فقال : ما أؤاخذكم على عدوانكم ولا ألومكم على ما كان منكم ، هذا ما كان لا بد منه . وجاء حتى أتى ملكه ، فأخذ الشيطان فجعله في صندوق من حديد ثم أطبقه وأقفل عليه بقفل وختم بخاتمه ، ثم أمر به فألقى في البحر ، وهو فيه كذلك إلى يوم القيامة .
قال : وفي بعض الروايات أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده ، فأخذه سليمان فأعاده إلى يده ، فسقط من يده فلما رآه لا يثبت في يده أيقن بالفتنة . وقال آصف لسليمان : إنك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك أربعة عشر يوماً ، ففر إلى الله تعالى تائباً من ذنبك وأنا أقوم مقامك وأسير في عملك وأهل بيوتك بسيرتك حتى يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك . ففر سليمان هارباً إلى ربه ، وأخذ آصف الخاتم ووضعه في يده فثبت . وإن الجسد الذي قال الله تعالى : " وألقينا على كرسيه جسداً " هو آصف كاتب سليمان ، وكان عنده علم من الكتاب . فأقام آصف في ملك سليمان يسير سيرته ويعمل بعمله أربعة عشر يوماً ، إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائباً إلى الله تعالى ، ورد الله تعالى عليه ملكه ، وقام آصف من مجلسه وجلس سليمان على كرسيه وأعاد الخاتم في يده فثبت فيها .