كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 121 """"""
من أبناء الملوك ، وقيل : بل كان من الفقراء . وسنذكر إن شاء الله تعالى ما نقف عليه من ذلك . فمن ذلك ما رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسير قوله عز و جل : " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب . . . . " الآيات بسند رفعه إلى سعيد بن جبير قال : كان رجل من بني إسرائيل يقرأ التوراة ، حتى إذا بلغ " بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد " بكى وفاضت عيناه ثم أطبق المصحف وقال : أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه ؛ فأرى في المنام مسكين ببابل يقال له بختنصر ، فانطلق بمال وأعبد له وكان رجلاً موسراً . فقيل له : أين تريد ؟ قال : أريد التجارة . فسار حتى نزل بابل ، فنزل داراً فأكتراها ، ليس فيها أحد غيره ، فجعل يدعوا المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إلا أعطاه . فقال : هل بقي مسكين غيركم ؟ قالوا : نعم ، مسكين بفج آل فلان مريض يقال له بختنصر . فقال لغلمته : انطلقوا بنا ، فانطلق حتى أتاه فقال له : ما اسمك ؟ قال بختنصر . فقال لغلمته : احتملوه ، فنقله إليه فمرضه حتى برئ ، فكساه وأعطاه نفقة ، ثم آذن الإسرائيلي بالرحيل ، فبكى بختنصر . فقال حتى له الإسرائيلي : ما يبكك ؟ قال : أبكي أنك فعلت بي ما فعلت ، ولا أجد شيئاً أجزيك به . قال : بلى ، شيئاً يسيراً . فقال له : وما هو ؟ قال : إن ملكت أطعتني . فجعل يتبعه ويقول : تستهزئ بي ؟ ولا يمنعه من أن يعطيه ما سأله إلا أنه يرى أنه يستهزئ به . فبكى الإسرائيلي وقال : لقد علمت ما يمنعك ما سألتك إلا أن الله تعالى يريد أن ينفذ ما قد أمضى وكتب في كتابه . قال : وضرب الدهر ضرباته فقال صيحون وهو ملك فارس ببابل : لو أنا بعثنا طليعة إلى الشام ؟ قالوا : وما ضرك لو فعلت ؟ قال : فمن ترون ؟ قالوا : فلان . فبعث رجلاً وأعطاه مائة ألف فارس ، وخرج بختنصر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل من مطبخه ويعيش منه . فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر خلق الله فرساناً ورجالاً ، كسر ذلك في ذرعه فلم يسأل . فجعل بختنصر يجلس في مجالس أهل الشام فيقول : ما يمنعكم أن تغزوا بابل فلو غزوتموها فما دون بيت مالها شيء .