كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 123 """"""
فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم وقال : اشتر بهذه طعاماً وشراباً ، فاشترى درهم لحماً ، وبدرهم خبزاً ، وبدرهم خمراً ؛ فأكلوا وشربوا ، حتى إذا كان اليوم الثاني . . . . . به كذلك ؛ وفي اليوم الثالث كذلك . ثم قال : إني أحب أن تكتب لي أماناً إن أنت ملكت يوماً من الدهر . قال : تسخر مني ؟ قال : إني لا أسخر منك ، ولكن ما عليك أن تتخذها عندي يداً فكلمته أمه فقالت : ما عليك إن كان ، وإلا لم ينقصك شيئاً ، فكتب له أماناً . فقال له : أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك فاجعل لي آية تعرفني بها . قال : ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها ، فكساه وأعطاه . ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا عليهما السلام ويدني مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمراً دونه ؛ وإنه هوى أن يتزوج بنت امرأته . - قال وقيل : كانت بنت أخيه ، قال الثعلبي : وهو الأصح إن شاء الله - فسأله عن ذلك ، فنهاه عن نكاحها وقال : لن أرضاها لك . فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى - ع - حين نهاه أن يتزوج بنتها ، فعمدت أم الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثياباً رقاقاً حمراء وطيبتها وألبستها من الحلي ، وألبستها . فوق ذلك كساء أسود وأرسلتها إلى الملك ، وأمرتها أن تسقيه وأن تتعرض إليه ، فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته ، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست ، ففعلت . فلما أخذ منه الشراب أرادها على نفسها ، فقالت : لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك . قال : ما تسألين ؟ قالت : أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكريا فتؤتى برأسه في طست . فقال : ويحك سليني غير هذا . قالت : ما أريد إلا هذا . فلما أبت عليه بعث إليه فأتى برأسه ، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول : لا يحل لك . فلما أصبح إذاً دمه يغلي ، فأمر بتراب فألقى عليه ، فرقى الدم فوق التراب يغلي ، فألقى عليه أيضاً فارتفع الدم فوقه ، فلم يزل يلقى عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي . فبلغ صيحون ملك بابل ذلك فنادى في الناس ، وأراد أن يبعث إليهم جيشاً ويؤمر عليهم رجلاً . فأتاه بختنصر فكلمه وقال : إن الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف ، وإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهليها فابعثني فبعثه . فسار بختنصر ، حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلم يطلقهم . فلما اشتد عليه المقام وجاع أصحابه فأتى بها إليه . فقالت : إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة . قال : نعم ، قد طال مقامي وجاع

الصفحة 123