كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 125 """"""
وروى الثعلبي بسنده إلى وهب قال : لما سار بختنصر إلى بابل وملك بعد موت ملكها واستتب أمره لبث على ذلك مدة ، ثم رأى رؤيا عجيبة فافزعته وسأل عنها الكهنة والسحرة فعجزوا عن تعبيرها . فبلغ ذلك دانيال وكان في السجن مع أصحابه وقد أحبه صاحب السجن وأعجب به لما رأى من حسن سمته . فقال له دانيال : إنك قد أحسنت إلي ؛ وإن صاحبكم قد رأى رؤيا ، فدل علي لأعبرها له . فجاء السجان فأخبر بختنصر بقصة دانيال ، فاستدعاه فجاء إليه . وكان من عادة من حضر بين يدي الملك أن يسجد له ، فلما أتوا بدانيال قام بين يديه ولم يسجد له . فقال : ما الذي منعك من السجود ؟ فقال : إن لي رباً آتاني العلم والحكمة وأمرني ألا أسجد لغيره ، فخشيت إن سجدت لغيره أن ينزع مني الحكمة والعلم ويهلكني . فأعجب به وقال : نعم ما فعلت حيث وفيت بعهده ، وأجللت علمه ؛ ثم قال : هل عندك علم هذه الرؤيا ؟ قال : نعم وأبشر ، فأخبره برؤياه قبل أن يخبره الملك بها ، وغبرها له . قال الثعلبي : وكانت الرؤيا على ما أخبرنا به عبد الله بن حامد في إسناده عن وهب بن منبه قال : بختنصر رأى في آخر زمانه صنماً رأسه من ذهب ، وصدره من فضة ، وبطنه من نحاس ، وفخذاه من حديد ، وساقاه من فخار ، ثم رأى حجراً من السماء وقع عليه فدقه ، ثم ربا الحجر حتى ملأ ما بين المشرق والغرب ، ورأى شجرة أصلها في الأرض وفرعها في السماء ، ثم رأى عليها رجلاً بيده فأس وسمع منادياً ينادي : اضرب جذعها لتفرق الطير من فروعها ، وتتفرق الدواب والسباع من تحتها ، واترك أصلها قائماً . فعبرها دانيال - ع - له فقال : أما الصنم الذي رأيت ، فأنت الرأس وأنت أفضل الملوك . وأما الصدر الذي من فضة فابنك يملك من بعدك . وأما البطن الذي رأيت من نحاس فملك يكون بعد ابنك . وأما ما رأيت من الفخذين من حديد فيتفرق الناس فرقتين في فارس يكون أشد الملوك . وأما الفخار فآخر ملكهم يكون دون الحديد . وأما الحجر الذي رأيته قد ربا حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب فنبي يبعثه الله تعالى في آخر الزمان فيفرق ملكهم كله ، ويربو ملكه حتى يملأ ما بين المشرق والمغرب . وأما الشجرة التي رأيت والطير التي عليها والسباع والدواب التي تحتها وما أمر بقطعها ، فيذهب ملكك ويردك الله طائراً تكون