كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 127 """"""
كذبت ، بختنصر أمرنا بهذا . فحبس الله تعالى عن دانيال البول ، وكان أول من قام من القوم يريد البول بختنصر ، فقام مدلاً وذلك ليلاً ، فخرج يسحب ثيابه ، فشد عليه البواب فقال : أنا بختنصر . فقال : كذبت ، بختنصر أمرني أن أقتل أول من يخرج ، فضربه فقتله .
وحكى محمد بن إسحاق بن يسار في سبب هلاك بختنصر غير ما حكاه السدي ، وذلك أنه قال بإسناده : لما أراد الله تعالى هلاك بختنصر انبعث فقال لمن كان في يده من بني إسرائيل : أرأيتم هذا البيت الذي خربته ، وهؤلاء الناس الذين قتلتهم من هم ؟ وما هذا البيت ؟ قالوا : هذا بيت الله ومسجد من مساجده ، وهؤلاء أهله ، كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا وعصوا ، فسلطت عليهم بذنوبهم ، وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلق كلهم ، يكرمهم ويمنعهم ويعزهم ، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله تعالى وسلط عليهم غيرهم . قال : فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا لعلي أطلع إليها وأقتل من فيها وأتخذها ملكاً فإني قد فرغت من الأرض ومن فيها ؟ قالوا : ما يقدر على هذا أحد من الخلائق . قال : لتفعلن أو لأقتلنكم عن أخركم . فبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى ، فبعث الله عز وجل عليه بقدرته ليريه ضعفه وهوانه بعوضة فدخلت في منخره ثم ساخت فيه حتى عضت بأم دماغه فما يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه . فلما عرف أنه الموت قال لخاصته من أهل : إذا مت فشقوا رأسي فانظر . ما هذا الذي قتلني . فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة بأم دماغه ليرى الله تعالى عباده قدرته وسلطانه ، ونجى الله تعالى من بقي في يديه من بني إسرائيل وردهم إلى إيليا والشام ، فبنوا فيه وربوا وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه . قال : فيزعمون أن الله تعالى أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا ولحقوا بهم . قال : ثم إنهم لما رجعوا إلى الشام وقد أحرف التوراة وليس معهم عهد من الله تعالى جدد الله عز وجل توراتهم وردها عليهم على لسان عزيز ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى .

الصفحة 127