كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 130 """"""
بختنصر عن بيت المقدس أقبل إرميا على حمال له معه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشى إيلياء . فلما وقف عليها ورأى خرابها قال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها " . قال : ثم ربط إرميا حماره بحبل جديد ، فألقى الله تعالى عليه النوم ، فلما نام نزع منه الروح مائة عام وأمات حماره ، وعصيره وتينه عنده ، وأعمى الله تعالى عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى ، ومنع الله السباع والطير لحمه . فلما مضى من نومه سبعون سنة أرسل الله عز وجل ملكاً إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له : بوسك فقال له : إن الله عز وجل يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود أحسن ما كانت ، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل ، فجعلوا يعمرونها فعمرت ، ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل ولم يمت ببابل أحد منهم وردهم الله تعالى إلى بيت المقدس وعمروها ثلاثين سنة حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه ؛ وذلك بعد أن خربت سبعين سنة . فلما مضت المائة سنة أحيا الله عز وجل منه عينيه وسائر جسده ميت ، ثم أحيا جسده وهو ينظر ، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح ، فسمع صوتاً من السماء : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض ، ثم نودي : إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً فكان كذلك . ثم نودي : إن الله يأمرك أن تحيا ، فقام بإذن الله ونهق . وعمر الله تعالى إرميا ، فهوا الذي يرى في الفلوات ؛ فذلك قوله تعالى : " فأماته الله مائة عام ثم بعثه " أي أحياه " قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوما " وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس ، فقال : " لبثت يوماً " وهو يرى أن الشمس قد غربت ، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال : " أو بعض يوم " بمعنى بل بعض يوم " قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك " يعني التين " وشرابك " يعني العصير " لم يتسنه " أي لم يتغير " وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير " . قال وهب : ليس في الجنة كلب ولا حمار إلا كلب أصحاب أهل الكهف وحمار إرميا الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه . هذا قول من قال إنه إرميا بن حلقيا .