كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 133 """"""
وقال السدي وابن عباس في رواية عمار بن ياسر : إنما قالت اليهود هذا لأن العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم وأخذوا التوراة وهرب علماؤهم الذين بقوا ودفنوا التوراة في الجبال وغيرها ، ولحق عزير بالجبال والوحوش ، وجعل يتعبد في رءوس الجبال ولا يخالط الناس ولا ينزل إلا يوم عيد ، وجعل يبكي ويقول : يا رب تركت بني إسرائيل بغير عالم ، فبكى حتى سقطت أشفار عينيه ، فنزل مرة إلى العيد ، فلما رجع إذا هو بامرأة قد تمثلت له عند قبر من القبور تبكي وتقول : يا مطعماه ، ويا كاسياه . فقال لها عزير : يا هذه اتقي الله واصبري واحتسبي ، أما علمت أن الموت مكتوب على الناس وقال لها : ويحك من كان يطعمك ويكسوك قبل هذا الرجل ؟ يعني زوجها التي كانت تندبه . قالت له : الله تعالى . قال : فإن الله تعالى حي لا يموت . فقالت : يا عزير ، من كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل ؟ قال : الله . قالت : فلم تبكي عليهم وقد علمت أن الموت حق وأن الله حي لم يمت . فلما علم عزير أنه قد خصم ولى مدبراً . فقالت له : يا عزير ، لست بامرأة ولكني الدنيا . أما أنه ستنبع لك في مصلاك عين وتنبت لك شجرة ، فكل من ثمرة تلك الشجرة واشرب من ماء تلك العين واغتسل وصل ركعتين ؛ فإنه سيأتيك شيخ ، فما أعطاك فخذ منه . فلما أصبح نبعت العين في مصلاه ونبتت الشجرة ، ففعل ما أمرته به ، وجاء شيخ وقال له : افتح فاك ، ففتح فاه فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعاً كهيئة القوارير ثلاث مرات ، ثم قال له : ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك . قال : فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلا زيد في علمه ، فرجع إليهم وهو أعلم الناس بالتوراة . فقال : يا بني إسرائيل ، قد جئتكم بالتوراة . فقالوا : يا عزير ، ما كنت كذاباً . فربط على كل إصبع له قلماً وكتب بأصابعه كلها حتى كتب التوراة كلها عن ظهر قلبه ، فأحيا لبني إسرائيل التوراة وأحيا لها السنة . فلما رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي كانوا دفنوها ، فعارضوا بها توراة عزير فوجدوها مثلها ، فقالوا : ما أعطاه الله تعالى هذا إلا أنه ابنه .
وقال الكبي : إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل مرة قراء التوراة ، كان عزير إذ ذاك غلاماً صغيراً ، فاستضعفه فلم يقتله ، ولم يدر

الصفحة 133