كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 135 """"""
من الرعاة فبقي كذلك حتى فطمته أمه ، وكان يسمى يتيم بني إسرائيل ، حتى أتت عليه سبع سنين ، فأقبل على أمه فقال : يا أماه ، لا ينبغي أن تذهب أيامي بالبطالة ، وأريد أن تلبسيني ثوباً من الصوف حتى ألحق بالعباد وأكون معهم . فقالت : يا بني ، أنت صغير ولم يأن لك أن تسيح . فلم يزل بأمه حتى أجابته إلى ذلك ولحق بالعباد واشتهر ذكره فيهم بكثرة العبادة حتى استكمل من العمر خمساً وعشرين سنة ، فرأى في منامه : إن الله يأمرك أن تمضي إلى مدينة الرملة فإن فيها ولياً من أوليائي وله ابنة عفيفة فتزوجها منه . فلما أصبح عزم على المسير ، وصحبه جماعة من بني إسرائيل من أصحابه ، وسار حتى دخل مدينة الرملة ، وسأل عنه فقيل : إنه في السوق يبيع ويشتري . فعجب يونس من ذلك وجاء إلى السوق فرآه وهو يبيع الطيب ويكثر الضحك . فقال يونس ليس هذا من صفات الأولياء والعباد . فنظر إليه زكريا وقام إليه وصافحه وسلم عليه باسمه واسم أبيه . قال : وكيف عرفتني ؟ قال : رأيتك في المنام وأمرت أن أزوج ابنتي منك . وتوجه به إلى منزله وقدم له الطعام فأكلا ، وذكر له رؤياه وأنها سبب مسيره إلى الرملة ، ثم سأله عن مكسبه بالبيع والشراء فقال : أما البيع والشراء فمباح ، والتاجر فاجر إلا من أخذ الحق وأعطاه ، واتقى الله ولم يمدح سلعته .
فلما أقبل الليل نزع زكريا ما كان عليه من الثياب ولبس الصوف ودخل محرابه ولم يزل في صلاته ودعائه وتضرعه حتى أصبح ، فنزع الصوف ولبس ما كان عليه بالأمس وبرز إلى السوق ويونس معه ، فكان ذلك دأبه .
ثم زوج ابنته من يونس ووهب لهما بعض ماله . وأقام يونس عنده ، ورزق الله يونس من زوجته ولدين ومات زكريا ، فاحتمل يونس زوجته إلى بيت المقدس وأقام هناك يعبد الله تعالى . وشعيا يومئذ بيت المقدس وهو نبي في بني إسرائيل إلى أن بعث الله تعالى يونس نبياً .