كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 136 """"""
قال : وكان في بلاد نينوى ملك وكانت جيوشه كثيرة ، قيل : إنها كانت تزيد على عشرة آلاف قائد . وكان إذا غزا تكون معه تماثيل من الأسود والفيلة متخذة من النحاس والحديد ، يخرج من أفواهها لهب النيران ، ومعه رجال يلعبون بالنيران . فغزا هذا الملك بني إسرائيل على هذه الصورة ، فقتل من بني إسرائيل وسبى ، ثم عاد إلى بلاد نينوى ، وغزاهم ثانية وتكررت غزواته فيهم . فأوحى الله تعالى إلى شعيا نبي بني إسرائيل أن يختار من عباد بني إسرائيل أميناً قوياً يبعثه إلى بلاد نينوى رسولاً إلى من بها من الملوك وغيرهم ؛ فإنهم قد جحدوا حقي وأنكروا معرفتي . فدخل شعيا على حزقيا الملك وأمره أن ينادي في عباد بيت المقدس ، وبها يومئذ عشرة آلف عابد ، لباسهم الشعر والصوف ونعالهم الخوص ، فنادى فيهم بالاجتماع فاجتمعوا ، فاختار منهم ثلاثة واختار من الثلاثة يونس بن متى ، ثم قال له حزقيا : إن الله أوحى إلى نبيه شعيا أن يختار من جملة هؤلاء العباد والزهاد أعبدهم وأتقاهم ، وقد وقع اختياره عليك لتبعث إلى أهل بلاد نينوى . قال يونس : إن في بني إسرائيل من هو أعبد مني وأزهد ، فابعث أيها الملك غيري . قال : لا أبعث سواك ، فانهض ولا تخالفني فإن هذا عن أمر الله . فانصرف يونس إلى أمه وأخبرها الخبر واستشارها ، فقالت : إن الله أنطق الملك في حقك بالرسالة فسر كما أمرت ولا تعص الله ونبينا شعيا وملكنا حزقيا . فعزم على المسير وودع أمه وحمل أهله حتى بلغ شاطئ دجلة ، فنزل هناك وفكر في أمره وضعفه وعياله وقال : كيف لي بمطاولة الجبابرة والفراعنة وأقبل على أهله وقال : قد عزمت على الفرار ، فنهاه أهله عن ذلك . فسكت وقام ليعبر دجلة زاد الماء فغرق ابنه الذي كان معه ، وكان في يده نقرة من الذهب كان قد ورثها من حميه فغرقت ، وجاء ذئب إلى ولده الذي عبر به فاحتمله . فصاحت المرأة : يا يونس ، إن ابنك أخذه الذئب . فخرج من الماء يعدو خلف الذئب فالتفت إليه وقال : ارجع يا يونس فإني مأمور ، فرجع يونس باكياً على ولديه . فلما بلغ الشط لم ير أهله ، فجلس يبكي . فأوحى الله إليه : إنك شكوت كثرة العيال ، وقد أرحتك منهم ، فاذهب الآن إلى قومك فإني سأرد عليك أهلك وولديك

الصفحة 136