كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 137 """"""
وأنا على كل شيء قدير . فطابت نفسه وسار حتى بلغ بلاد نينوى فتوسط سوقها ونادى : يا قوم ، قولوا بأجمعكم : لا إله إلا الله وأني يونس عبده ورسوله . فلما سمعوا ذلك أقبلوا على ملكهم وأخبروه به بمقالته . فأحضره الملك وقال له : من أين أنت ؟ قال : رسول الله إليك وإلي أهل مملكتك فآمنوا بي تنجوا من النار . فأمر الملك بحبسه ثم بعث إليه وزيره ، وهو من أهل بيت المقدس ، واسمه سنجير ، فقال له : ادخل على هذا الرجل يونس وتعرف أمره . فدخل عليه وسأله عن اسمه واسم أبيه ، ومن أين أقبل وفي ماذا جاء . فذكر له أنه رسول الله إليهم . فقال له الوزير : أرى أن ترفق فإني أحشى عليك من هذا الملك فإنه جبار . وانصرف الوزير إلى الملك وقال له قد عرفت الرجل ، وقد ذكر أنه رسول من إله السماء . فهم الملك بقتله ، فاستوهبه الوزير منه على أن يكون في البلد ولا يقول مثل مقالته . فاستدعى الوزير يونس وذكر له ذلك . فقال له : أما القتل فلا أخشى منه ، والرسالة فلا أتركها حتى يحكم الله بيني وبينه . ثم إن الملك خلى سبيله على أنه مجنون . فلم يزل يونس يدعوهم إلى طاعة الله تعالى في كل يوم عامة نهاره ، حتى إذا جاء المساء أتى شط دجلة فيصلي حتى يصبح ، ثم يعود إليهم والناس يضربونه ويرجمونه ويسبونه حتى ضجر فاستغاث إلى ربه . فأوحى الله تعالى إليه : يا يونس ، إنك دعوت القوم فلا تعجل عليهم وادعهم أربعين يوماً ، فإن آمنوا وإلا جاءهم العذاب . فدعاهم حتى استكمل العدة ولم يؤمنوا . فأوحى الله إليه أن اخرج من بين أظهرهم ، فخرج حتى بلغ شاطئ دجلة ، فقعد ينظر إلى العذاب ؛ كيف ينزل العذاب فأمر الله تعالى جبريل أن يرسل على قوم يونس سحابة فيها ألوان العذاب ، فانطلق إلى مالك وأمره بذلك ، فأخرج شرارة من الحطمة على مثال سحابة سوداء مظلمة . فجاءت بها الزبانية حتى بلغت بلاد نينوى وانبسطت حتى أظلت عليها ، فظن القوم أنها مطر . فنظر وزير الملك إلى السحابة يخرج من أطرافها شرر النار ، فدخل على الملك وقال : الحذر الحذر فليست هذه سحابة مطر بل هي سحابة عذاب ، وأخشى أن يكون ذلك لتكذيبنا يونس نبي الله . ثم قال : انظروا إلى يونس إن كان معكم في بلدكم فلا تخافوا ، وإن كان قد خرج عنكم فقد هلكتم . فطلبوا يونس فلم يجدوه . وجعلت السحابة تدنو حتى قربت منهم ورمتهم بشرر كالرماد الأحمر لا يقع على شيء إلا