كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 139 """"""
كثيرة من جميع الجوانب وأشرفوا على الغرق ، فأخذوا في الدعاء والتضرع ويونس لا يتكلم ، فأقبل أهل السفينة عليه وقالوا : لم لم تدع أنت معنا ؟ قال : لأني مغموم لذهاب الأهل والولد . فلم يزالوا به حتى دعا ، فازداد البحر هيجاناً . قال يونس : اطرحوني في البحر فإن هذا من أجلي . قالوا : ما نفعل . قال : فاقترعوا . فاقترعوا فوقعت القرعة عليه . فقالوا : إن القرعة تخطئ وتصيب ، ولكن تعالوا حتى نتساهم . فجعل كل واحد منهم لنفسه سهماً ثم رموا بها في البحر ، فغرقت إلا سهم يونس فإنه بقي على وجه الماء . قال الله عز وجل : " فساهم فكان من المدحضين " . ثم أقبل حوت عظيم من بحر الهند حتى بلغ جانب السفينة ، فقام يوسن ليرمي بنفسه ، فتعلق القوم به وقالوا : ألا ترى هذه الأمواج وهذا الحوت العظيم فأقعدوه والبحر يزيد عليهم بكثرة أمواجه وأهواله ، فصار إلى جانب السفينة ليرمي بنفسه ، فإذا بالحوت قد دار إلى الجانب الذي قصد أن يرمي نفسه منه ، فعلم يونس أنه هو المراد ، فغطى وجهه بكسائه ورمى نفسه في البحر فابتلعه الحوت . قال الله تعالى : " فالتقمه الحوت وهو مليم " معناه يلوم نفسه على ما فعله . وبقي في جوف الحوت وهو يسمع تسبيح الحيتان بلغاتهم ، فلم يزل كذلك حتى بلغ إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام . وهو إذا سجد يكون سجوده على كبد الحوت وهو يقول له : يا يونس ، أسمعني تسبيح المغمومين المحبوسين في حبس لم يحبس فيه أحد من الآدميين ، ويونس يقول : " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ، وكانت الملائكة تقول : إلهنا إنا نسمع تسبيح مكروب كان لك شاكراً ، اللهم ارحمه في غربته . قال الله تعالى : " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت " الآية . قيل : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت . قال الله تعالى : " فلولا إنه كان من المسبحين " أي المصلين " للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " . واختف في مدة لبثه ، فمنهم من قال : لبث أربعين يوماً ، وقيل : ثلاثة أيام . فلما انقضت المدة التي

الصفحة 139