كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 140 """"""
قدر الله عليه ألهم الله الحوت أن يرجع إلى الموضع الذي ابتلعه فيه . فشق ذلك على الحوت لأنه كان قد أنس به وبتسبيحه ، فناداه الملك أن اقذفه من بطنك فليس هو مطعم لك . فتقدم الحوت إلى الساحل وقذفه . قال الله تعالى : " فنبذناه بالعراء وهو سقيم " . قال : خرج كالفرخ الذي لا ريش له ، وهو لا يقدر على القيام ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين كان لها ثلاثة أغصان : غصن قبل المشرق ، وغصن قبل المغرب ، والغصن الثالث على رأسه . وجاءه جبريل فقال : يا يونس ، إن الله قد أعطاك من الجنة ما ترضى به ، ثم أمر يده على رأسه وجسمه فأنبت الله شعره ولحيته ، وأمر الله ظبية فوقفت بين يدي يونس وكلمته بإذن الله ، فمص من لبنها فقوي عند شربه ؛ ثم بشرته بإيمان قومه وأخبرته بما كان من أمرهم وسبب إيمانهم وذكرت اشتياقهم إلى رؤيته . وكانت الظبية ترعى حول يونس فإذا جاع أو عطش أرضعته ، فلم يزل كذلك أربعين يوماً . فنام في بعض الأيام ثم انتبه فرأى اليقطينة قد جفت والظبية قد غابت ، فاغتم لذلك ، فعلم يونس أن الله ضرب له مثلاً بقومه . ثم هبط عليه ملك وقال : قم إلى قومك فإنهم يتمنون رؤيتك ، وأتاه بحلتين فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى ، ثم سار حتى دخل قرية كثيرة الأشجار والخيرات وأهلها يقطعون تلك الأشجار ويلقون ثمارها في الأرض ، فقال : يا قوم ، كيف تفعلون ذلك وتبطلون على أنفسكم ثمارها فأوحى الله تعالى إليه : يا يونس ، إنك أشفقت على قوم لا نعرفهم من قطعهم الأشجار ولم تشفق على قومك وهم مائة ألف أو يزيدون فعلم يونس أن هذا مثل ضربه الله تعالى له ، فقال : إلهي