كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 141 """"""
لا أعود إلى ذلك أبداً . ثم سار حتى دخل قرية أخرى وقت المساء ، فتلقاه رجل من أهل القرية وسأله أن ينزل عليه فنزل . فلما أكل وشرب نظر إلى بيت الرجل وفيه فخار كثير يريد أن يوقد عليه . فأوحى الله تعالى إليه : يا يونس ، قل لهذا الفاخراني أن يكسر الفخار الذي قد عمله . فقال يونس ذلك للفاخراني ، فقال : يا هذا أضفتك لما رأيت فيك من أثر الخير وإذا أنت رجل مجنون ، تأمرني أن أكسر فخاراً قد أتعبت فيه نفسي لأنتفع بثمنه قم الآن فاخرج من عندي ، وأخرجه . فأوحى الله تعالى إليه : يا يونس ، إنه أشفق على فخاره وسماك مجنوناً وأخرجك من منزله حين أمرته بكسره ، وأنت بعثت إلى مائة ألف أو يزيدون فدعوت عليهم ولم تفكر في هلاكهم فترحمهم . قال : إلهي لا أعود إلى ذلك أبداً . فلما أصبح سار فإذا هو برجل يزرع زرعاً ، فقال له الرجل : ادع الله عز وجل حتى يبارك لي في زرعي ، فدعا له فأنبته الله تعالى من ساعته وقام على سوقه ، ففرح الرجل وأتى بيونس إلى منزله . فأوحى الله تعالى إليه : يا يونس ، قد حزنت على إرسال الجراد على الزرع ولم تزرعه ، ولم تحزن على إرسال العذاب على مائة ألف أو يزيدون . قال : إلهي تبت إليك من ذنبي لا أعود إليه أبداً . وسار حتى دخل قرية وهناك امرأة معها رجل وهو ينادي : من يحمل هذه المرأة إلى بلاد نينوى ويردها إلى زوجها وله مائة مثقال من الذهب ؟ فنظر إليها يونس فإذا هي امرأته ، فقال : أيها الرجل ، ما قصة هذه المرأة ؟ قال : إنها كانت قاعدة على شاطئ دجلة تنظر زوجها يونس ، فمر بها ملك من ملوك هذه القرية فاحتملها وأراد أن يفجر بها ، فأيبس الله يديه ورجليه ، فسألها أن تدعو له بالفرج ولا يعود إلى ذلك ، فدعت له . فلما عافاه الله لوقته دفعها إلي وأعطاني مائة مثقال ذهباً على أن أحملها إلى بلاد نيونوى ، وما يمكنني ذلك . قال يونس : أنا أحملها فأعطني الذهب ، فأعطاه إياه وسلم إليه المرأة . فسار وقد فرحا حتى أتيا قرية أخرى ، وإذا برجل يبيع سمكة ، فاشتراها يونس وقعد ليصلحها فشق بطنها فوجد فيها تلك الصرة الذهب التي وقعت منه في دجلة ، فقال : الحمد لله الذي رد علي أهلي ومالي ، اللهم فاردد علي أولادي يا أرحم الراحمين ، ثم سار فإذا هو برجل على دابة ومن ورائه غلام ، فإذا هو ولد يونس الصغير . فتعلق به ، فقال له الرجل : من أنت ؟ قال : أنا يونس . فسلم إليه الغلام وقال : الحمد لله الذي ردالأمانة إلى أهلها وخلص ذمتي . فسأله يونس عن قصة الغلام فقال : أنا رجل صياد وكنت قد ألقيت الشبكة في طرف دجلة فوقع هذا الغلام فيها فأخذته ، وإذا بهاتف يقول : يا صياد ، احفظ هذا الغلام حتى يأتي إليك يونس فإنه أبوه فادفعه إليه . ثم قال له : يا نبي الله ، أدع لي أن يغنيني الله عن صيد السمك ، فدعا له فرزقه الله مالاً وولداً . وسار يونس حتى قرب من بلاد نينوى ، فإذا هو براع على قارعة الطريق يرعى غنماً وهو يقول : اللهم أردد علي والدي ، فرآه يونس فعرفه وهو ولده الأكبر ، فتعانقا وبكيا طويلاً ، ثم قال له : يا أبت إن هذه الأغنام لرجل في القرية فسر معي حتى أردها إليه ، فسار إلى القرية وإذا بشيخ على باب داره ، فقال له الغلام : هذا أبي . فقام الشيخ إلى