كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 145 """"""
ثم سارا جميعاً حتى انتهيا إلى موضع الحية ففتحا باب التابوت وتنحيا . وجاءت الحية تبغي الرائحة فدخلت التابوت وشربت من اللبن والخمر حتى سكرت ونامت . فقام عفان ودب إلى التابوت دبيباً خفيفاً فأغلق بابه واحتضنه وسارا جميعاً فم يمرا بشجرة ولا بيت إلا كلمهما بإذن اله تعالى . فمرا بشجرة يقال لها الدواء فقالت : يا عفان ، من يأخذني ويقطعني ويدقني ويعصر مائي ودهني ويطلي به قدميه فإنه يغوص البحار السبعة ولا تبتل قدماه ولا يغرق . فقال عفان : إياك طلبت ، فقطع تلك الشجرة فدقها وعصر دهنها وجعله في كوز ثم خلى عن الحية فطارت بين السماء والأرض وهي تقول : يا بني آدم ما أجرأكم على الله تعالى ، ولن تصلوا إلى ما تريدون ، وذهبت الحية . وسار عفان وبلوقيا إلى اليم فطليا أقدامهما ثم عبرا البحر ومشيا على الماء كما كانا يمشيان على الأرض حتى قطعا البحر الأول ثم الثاني ، فإذا هما بجبل في وسط البحر ليس بعال ولا متدان ترابه كالمسك ، عليه غمام أبيض ، وفيه كهف ، وفي الكهف سرير من الذهب عليه شاب مستلق على قفاه ذو وفرة ، واضع يده اليمنى على صدره واليسرى على بطنه بمنزلة النائم وليس بنائم وهو ميت ، وعلى رأسه تنين وخاتمه في الشمال . قال : وكان ذلك سليمان بن داود ، وملك سليمان في خاتمه ، وكانت حلقته من ذهب وفضة من ياقوت أحمر مربع ، مكتوب عليه أربعة أسطر ، في كل سطر اسم من أسماء الله الأعظم . وكان عند عفان علم من الكتاب ، فقال بلوقيا : من هذا ؟ قال : هذا سليمان بن داود ، نريد أن نأخذ خاتمه فنملك ملكه ونرجو الحياة إلى أن يبعث الله محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال بلوقيا : أليس قد سأل سليمان ربه : " رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي " فأعطاه الله إياه على ما سأل ، ولا ينال ملك سليمان إلى يوم القيامة لدعائه . فقال عفان : يا بلوقيا اسكت إن الله معنا ومعنا اسم الله الأعظم ، ولكن أنت يا بلوقيا فاقرأ التوراة . فتقدم عفان لينزع خاتم سليمان من إصبعه ، فقال التنين : ما أجرأك على الله إن غلبتنا باسم الله فنحن نغلبك بقوة الله . قال : فكلما نفخ التنين ذكر بلوقيا اسم الله ، فلم تعلم نفخات التنين فيهما . ودنا عفان من السرير لينزع الخاتم من إصبع سليمان ، فاشتغل بلوقيا بالنظر إلى نزول جبريل من السماء ، فلما نزل صاح بهما صيحة ارتجت الأرض والجبال وتزلزت منها واختلطت مياه البحار وماجت والتطمت حتى صار كل عذب ملحاً من شدة