كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 146 """"""
صيحته ، وسقط عفان على وجهه ، ونفخ التنين فخرجت من بطنه شعلة نار كأنها البرق الخاطف ، فاحترق عفان وعادت نفخته في البحر فما مرت البرقة بشيء إلا أحرقته ولا بماء إلا أجاشته وأغلته . وذكر بلوقيا اسم الله الأعظم فلم ينله مكروه ، ثم تراءى له جبريل في صورة رجل فقال له : يا بن آدم ما أجرأك على الله تعالى فقال له بلوقيا : من أنت رحمك الله ؟ قال : أنا جبريل أمين رب العالمين . قال له يا جبريل ، إنما خرجت حباً لمحمد ودينه ولم أقصد الخطأ ولم أتعمده . قال : فبذلك نجوت . ثم صعد جبريل إلى السماء ، و مضى بلوقيا فطلى قدميه بذلك الدهن فأضل الطريق الذي جاء منه وأخذ في طريق آخر ، وسار فقطع ستة أبحر ووقع في السابع فإذا هو بجزيرة من ذهب حشيشها الورس والزعفران وأشجارها النخل والرمان . قال بلوقيا : ما أشبه هذا المكان بالجنة على ما وصفت . ثم دنا من بعض تلك الأشجار فتناول من ثمرها ، فقالت الشجرة : يا خاطئ ابن الخاطئ لا تأخذ مني شيئاً . فتعجب ، وإذا بحيال الشجرة قوم يتراكضون ، بأيديهم سيوف مسلولة ، يتناوش بعضهم بعضاً بالطعن والضرب . فلما رأوا بلوقيا طافوا به وأحدقوا من ورائه وهموا به سوءاً ، فذكر اسم الله فهابوه وعجبوا منه وأغمدوا سيوفهم وقالوا بأجمعهم : لا إله إلا الله محمد رسول الله . ثم قالوا له : من أنت يا عبد الله ؟ قال : أنا من بني آدم اسمي بلوقيا . قالوا : نعرف آدم ولا نعرفك فما أوقعك إلينا ؟ قال : إني خرجت في طلب نبي يسمى محمداً وإنني قد ضللت عن الطريق الذي أردته فرأيت من الأهوال كذا وكذا . قالوا : يا بلوقيا نحن من الجن مؤمنون ، ونحن مع ملائكة الله في السماء ، ثم نزلنا إلى الأرض وقاتلنا كفرة الجن ونحن هاهنا مقيمون نغزوهم ونجاهدهم إلى يوم القيامة ، ولسنا نموت إلى يوم القيامة وأنت لا تصبر معنا . فقال بلوقيا لملك الجن : يا صخرة أخبرني عن خلق الجن كيف كان ؟ قال : لما خلق الله جهنم خلق لها سبعة أبواب وسبعة ألسن ، وخلق منها خلقين : خلق في سمائه سماه حيليت ، وخلق في أرضه سماه تمليت . فأما حيليت فإنه خلق على صورة أسد ، وتمليت في صورة ذئب ، وجعل الأسد ذكراً والذئب أنثى ، وجعل طول كل واحد منهما مسيرة خمسمائة