كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 154 """"""
نرمي بأقلامنا فيها فأينا وقف قلمه فهو الذي يكفلها ؛ فألقوا فرسيت أقلامهم جميعاً إلا قلم زكريا فإنه طفا وغالب الجرية ، فأخذها واسترضع لها بعض نساء بني إسرائيل . ثم مات عمران والد مريم . قال : وبنى لها زكريا بيتاً لا يصعد إليه إلا بسلم ، وكان لا يصعد إليها إلا زكريا يحمل إليها الطعام ، وابن خال لها يقال له يوسف بن يعقوب النجار ، وكان من العباد المحررين ، وكان زكريا إذا صعد إليها وجد عندها في الصيف فواكه الشتاء ، وفي الشتاء فواكه الصيف ، فيعجب من ذلك . قال الله تعالى : " وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " .
ذكر دعاء زكريا أن يرزقه الله عز وجل الولد ومولد يحيى بن زكريا
قال الكسائي : فلما نظر ذكريا إلى ما رزق الله عز وجل من الفاكهة في غير وقتها قال : إن الذي رزق هذه الفواكه لقادر على أن يرزق من العجوز العقيم والشيخ الكبير الولد . قال الله تعالى : " هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء " . قال : ولما أراد زكريا أن يدعو استحيا من الله تعالى ، فجلس سبعة أيام ثم قام إلى المحراب ووافق ذلك يوم عاشوراء ، فكلمه المحراب بإذن الله تعالى وقال : يا زكريا ، أوجدت ربك بخيلاً يا زكريا إن ربك أبداً رحيم . فعند ذلك عزم على الدعاء واجتهد في العبادة ، ثم رفع يديه " ونادى ربه نداء خفياً " معناه أخفاه عن قومه " قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً " يعني غلب بياضه على سواده " ولم أكن بدعائك رب شقياً " معناه لم تخيبني في الدعاء " وإني خفت الموالي من ورائي " يعني الذرية من بعدي أن تصير الحبورية في غير أولاد الأنبياء " فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب " يعني مكاني وحبوريتي والتابوت الذي فيه وأقلام المحررين ومفاتيح القربان ، ثم قال : " واجعله رب رضياً " في بني إسرائيل . فاستجاب الله تعالى دعاءه وأمر جبريل أن ينزل عليه بالبشرى فأتاه وأتته الملائكة وأحدقوا بالمحراب . قال الله تعالى : " فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى " الآية . وقال تعالى :