كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 155 """"""
" يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ، قال رب إنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً ، قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً " . " قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تلكم الناس ثلاث أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار " . قال الكلبي : كان زكريا يوم بشر بالولد ابن اثنتين وتسعين سنة . وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان ابن مائة وعشرين سنة . وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين .
قالوا : ولما جامع زكريا امرأته اغتسل وعاد إلى محرابه ، فجاءته نساء بني إسرائيل وقالوا له : نرى أمرك أعجب من امرأتك ، فذهب زكريا ليتكلم فلم يقدر على الكلام ، فعلم أن امرأته قد حملت فكتب لهم في الأرض ، إني لا أقدر على الكلام ثلاث أيام . قال الثعلبي رحمه الله . فإن قيل : لم أنكر زكريا ذلك وسأل الآية بعد ما بشرته الملائكة ؟ أكان ذلك شكاً في وحيه ؟ ، أم إنكاراً لقدرته ، وهذا لا يجوز أن يوصف به أهل الإيمان فكيف الأنبياء ؟ فالجواب عنه ما قال عكرمة والسدي : إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال : يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك ، ولو كان من الله لأوحاه إليك خفياً كما ناديته خفياً وكما يوحى إليك في سائر الأمور ؛ فقال ذلك دفعاً للوسوسة . قال : وفيه جواب آخر ، وهو أنه لم يشك في الولد وإنما شك في كيفيته والوجه الذي يكون منه الولد فقال : " أنى يكون لي " أي كيف يكون لي ولد ؟ أتجعلني وامرأتي شابين أو ترزقنا على كبرنا ، أو ترزقني من امرأة عاقر ، أم من غيرها من النساء ؟ فقال ذلك مستخبراً لا مستنكراً . وهذا قول الحسن . " قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس " تكف عن الكلام ثلاثة أيام وتقبل بكليتك على عبادتي وطاعتي ؛ لأنه ما حبس لسانه عن الكلام ولكنه نهى عنه ؛ ويدل عليه قوله : " واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار " . هذا قول قوم من أهل المعاني . وقال آخرون : عقل لسانه عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه ، فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام ، لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزاً .