كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 161 """"""
فسألهم عنه فقالوا : هذا دم قربان قربناه فلم يتقبل منا فلذلك هو يغلي كما تراه ، ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فتقبل منا إلا هذا القربان . فقال : ما صدقتموني الخبر . قالوا له : لو كان كأول دمائنا لقبل ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل . فذبح منهم نبوزرادان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحاً من رءوسهم فلم يهدأ ، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم فذبحهم على الدم فلم يبرد . فلما رأى نبوزرادان أن الدم لا يهدأ قال لهم : ويكلم يا بني إسرائيل اصدقوني واصبروا على أمر ربكم ، فقد طالما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم ، قبل ألا أترك نافخ نار ذكر أو أنثى إلا قتلته ، فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا : إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله ، فلو أطعناه لكان أرشد لنا ، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه . فقال لهم : ما كان اسمه ؟ قالوا : كان اسمه يحيى بن زكريا . قال : الآن صدقتموني ، لمثل هذا ينتقم منكم ربكم . ولما رأى أنهم قد صدقوه خر ساجداً وقال لمن حوله : أغلقوا باب المدينة وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس . وخلا في بني إِسرائيل ثم قال : يا يحيى بن زكريا ، قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم ، فاهدأ بإذن الله تعالى قبل ألا ابقي من قومك أحداً ، فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله تعالى ورفع نبوزرادان حبور صدوق - والحبور بالعبرانية حديث الإيمان - فقال نبوزرادان : يا بني إسرائيل ، إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، وإني لست أستطيع أن أعصيه . قالوا له : افعل ما أمرت به ، فأمرهم أن يحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمر والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم في العسكر ، وأمر بالقتلى الذين كانوا فوقها . فلما بلغ الدم عسكر خردوس أرسل إلى نبوزرادان أن ارفع عنهم القتل فقد بلغتن دماؤهم . ثم انصرف عنهم إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد . وهذه هي الوقعة الآخرة التي أنزل الله تعالى فيها وفي الأول : " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً ، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد " فكان بختنصر وجنوده . ثم رد الله لهم الكرة عليهم . وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده فلم تقم لهم بعد ذلك راية .

الصفحة 161