كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 163 """"""
وقال قتادة : هذه الآية قضاء قضى على القوم كما يسمعون ، فبعث عليهم في الأولى جالوت فسبى وقتل وخرب بيت المقدس وسامهم سوء العذاب ، ثم قال : " عسى ربكم أن يرحمكم " فعاد الله عليهم برحمته . ثم عاد القوم بشر ما يحضرهم . فبعث الله تعالى عليهم ما شاء أن يبعث من نقمته وعقوبته . ثم بعث الله تعالى عليهم هذا الحي من العرب ، كما قال تعالى : " وإذا تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " فهم بهم في عذاب إلى يوم القيامة .
وهذه الأخبار التي أوردناها في هذا المكان من خبر زكريا ويحيى وخراب بيت المقدس ثانياً ، منها ما كان في زمن عيسى - ع - ، ومنها ما كان بعد رفعه . وإنما أوردناها سياقة وتركنا خبر عيسى - ع - لئلا تنقطع بغيرها وليتلو بعضها بعضا . فلنرجع إلى أخبار عيسى بن مريم - ع - .
ذكر خبر حمل مريم بنت عمران بعيسى عليه السلام
قال الكسائي رحمه الله تعالى : وكانت مريم تنمو وتزيد في كل يوم وتعبد الله تعالى حتى برزت في العبادة على نساء بني إسرائيل . فلما بلغت مبلغ النساء أتت منزل زكريا ، فقال لها : كيف خرجت من بيتك ومفتاحه معي ؟ قالت : إني رأيت أمراً قبيحاً - أرادت بذلك الحيض - فجئتك بإذن الله . فأمرها زكريا أن تكون عند خالتها حتى تطهر ، ففعلت ذلك . فلما طهرت واغتسلت عادت إلى عبادتها . فكان ذلك عادتها وشأنها إذا حاضت . فذلك قوله تعالى : " واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ، فاتخذت من دونهم حجاباً " أي ستراً " فأرسلنا إليها روحنا " يعني جبريل " فتمثل لها بشراً سوياً " أي في صورة رجل " قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً " أي مطيعاً لربك " قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً ، قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ، قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً " ثم نفخ في جيبها فوصلت النفخة إلى جوفها فحملت بعيسى لوقتها . ويقال : إن زكريا في ذلك الوقت أفضى إلى امرأته فحملت بيحيى . وقيل : إن امرأة زكريا حملت قبل مريم بثلاثة أشهر ، وقيل ستة أشهر . وكانت مريم إذ ذاك بنت خمس عشرة سنة ، وقيل ثلاث عشرة سنة .

الصفحة 163