كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 164 """"""
وحكى الثعلبي في قصة حمل مريم أنه كان معها في المسجد ابن عم لها من المحررين يقال له يوسف ين يعقوب النجار ، وكان رجلاً حكيماً نجاراً ، يتصدق بعمل يديه ، وكان يوسف ومريم إذا نفد ماؤهما أخذ كل واحد منهما قلته وانطلق إلى المغارة التي فيها الماء يستقيان منه ثم يرجعان إلى الكنيسة . فلما كان اليوم الذي لقيها في جبريل ، وكان أطول يوم في السنة وأشد حراً ، ونفد ماؤها ، فقالت : يا يوسف ، ألا تذهب بنا نستقي ؟ فقال لها : إن عندي لفضلا من ماء أكتفي به في يومي هذا إلى غد . قالت : لكني والله ما عندي ماء ، فأخذت قلتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة ، فوجدت عندها جبريل - ع - ، قد مثله الله عز وجل بشراً سوياً ؛ فقال لها : يا مريم ، إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاماً زكيا . قالت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً . قال عكرمة : وكان جبريل قد عرض لها في صورة شاب أمرد وضيء الوجه ، جعد الشعر ، سوي الخلق . قال الحكماء : وإنما أرسله الله تعالى في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه ، ولو أتاها على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ، ولم تقدر على استماع كلامه . فلما استعاذت مريم منه قال : " إنما أنا رسول ربك " الآية . فما قال ذلك استسلمت لقضاء الله تعالى . فنفخ جبريل في جيب درعها ، وكانت قد وضعته ، ثم انصرف عنها . فلما لبست مريم درعها حملت بعيسى - ع - ، ثم ملأت قلتها وانصرفت إلى المسجد . وقال السدي وعكرمة : إن مريم عليها السلام كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرة فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد . فبينما هي تغتسل من الحيض وقد أخذت مكاناً شرقياً - قال الحسن : إنما اتخذت النصارى الشرق قبلة لأن مريم انتبذت مكانا شرقياً - فاتخذت ، فضربت من دونهم حجاباً ، أي ستراً . وقال مقاتل : جعلت الجبل بينها وبين قومها ، فبينما هي كذلك إذ عرض لها جبريل وبشرها ونفخ في جيب درعها .