كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 165 """"""
قالوا : فلما اشتملت على عيسى وتبين حملها داخلها الغم علمت أن بني إسرائيل سوف يقذفونها ، فنادتها الملائكة : " يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك " أي من الحيض " واصطفاك على نساء العالمين ، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين " . قال : وبشرها الله تعالى بعيسى فقال : " إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين " . " ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، ورسولاً إلى بني إسرائيل " الآية فطابت نفسها . قال وهب : فلما اشتملت على عيسى وكان معها يوسف النجار ، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي بجبل صهيون - وجبل صهيون على باب بيت المقدس - وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم ، وكانت مريم ويوسف يخدمان ذلك المسجد ، وكان لخدمته فضل عظيم ، فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتطهيره ، وكان لا يعلم أحد من أهل زمانهما أشد اجتهاداً وعبادة منهما . فكان أول من أنكر حمل مريم يوسف النجار . فلما رأى ما بها استعظمه وقطع به ولم يدر على ماذا يضع أمرها . فكان إذا أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها وبراءتها وأنها لم تغب عنه ، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل . فلما اشتد ذلك عليه كلمها ، فكان أول من كلمها به أن قال لها : إنه قد وقع في نفسي منك ومن أمرك شيء ، وقد حرصت على أن أكتمه فغلبني ذلك ورأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري . فقالت : قل قولاً جميلاً . قال : خبريني يا مريم ، هل ينبت زرع بغير بذر ؟ قالت نعم . قال : فهل تنبت شجرة بغير غيث يصيبها ؟ قالت نعم . قال : فهل يكون ولد من غير فحل ؟ قالت : ألم تعلم أن الله عز وجل أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ، والبذار إنما تكون من الزرع الذي كان أنبته من غير بذر ألم تعلم أن الله عز وجل أنبت الشجرة من غير غيث ، وبالقدر جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحدة على حدة . أو تقول إن الله لا يقدر على إنباته . قال يوسف لها : لا أقول هذا ، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى يقدر على ما يشاء ، يقول

الصفحة 165