كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)

"""""" صفحة رقم 235 """"""
وقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى في قصصه - وذكر الخلاف في نبوته - قال : الصحيح إن شاء الله أنه كان نبياً غير مرسل ، كما روي عن وهب وغيره من أهل الكتب . قال وقالوا : كان ذو القرنين رجلاً من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره ، وكان اسمه إسكندروس . قال ويقال : كان اسمه ابن عياش ، وكان عياش عبداً صالحاً . قال وهب : ونشأ ذو القرنين في علم وأدب وثروة وعفة ، ولم يزل يتخلق بمكارم الأخلاق ويسمو إلى معالي الأمور حتى بعدت همته ، واشتد أمره ، وعلا صوته ، وعز في قومه ، وألقى الله تعالى عليه الهيبة ، وحدث نفسه بمعالي الأمور . قال الثعلبي : فلما استحكم ملكه واستجمع أمره أوحى الله تعالى إليه : يا ذا القرنين ، إني بعثتك إلى جميع الخلائق ما بين الخافقين ، وجعلتك حجتي عليهم ، وهذا تأويل رؤياك . وإني باعثك إلى أمم الأرض كلهم وهي سبع أمم مختلفة ألسنتهم ، منهم أمتان بينهما عرض الأرض ، وأمتان بينهما طول الأرض ، وثلاث أمم في وسط الأرض ، وهم الإنس والجن ويأجوج ومأجوج . فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك ، والأخرى بحيالها عند مطلع الشمس يقال لها منسك . وأما الأمتان اللتان بينهما عرض الأرض فأمه في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل ، والأخرى بحيالها في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل . فلما قال الله تعالى له ذلك قال ذو القرنين : إلهي إنك قد ندبتني إلى أمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت ، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوة أكاثرهم ، وبأي حيلة وجمع أكابرهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أناطقهم ، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم ، وبأي سمع أسمع أقوالهم ، وبأي بصر أنفذهم ، وبأي حجة أخاصمهم ، وبأي عقل أعقل عنهم ، وبأي قلب وحكمة أدبر أمرهم ، وبأي قسط أعدل بينهم ، وبأي حلم أصابرهم ، وبأي معرفة أفصل بينهم ، وبأي علم أتقن أمرهم ، وبأي يد أسطو عليهم ، وبأي رجل أطؤهم ، وبأي طاقة أحصيهم ، وبأي جند أقاتلهم ، وبأي رفق أتألفهم ، وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم لهم ويقوى عليهم وأنت الرءوف الرحيم ، الذي لا تكلف نفساً إلا وسعها ، ولا تحملها إلا

الصفحة 235