كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 14)
"""""" صفحة رقم 90 """"""
ذكر خبر ميلاد بلقيس وكيف كان وسبب ملكها
قال : وولدت عميرة بنت ملك الجن بلقيس بنت ذي شرح على أحسن ما تكون من الصور ، ثم ماتت أمها بعد ذلك بقليل ، فربتها الجن . فلما بلغت مبلغ النساء قالت لأبيها : إني كرهت المقام عند الجن فاحملني إلى بلاد الإنس فإنهم أحب إلي . فقال لها : إن للإنس ملكاً ظالماً وذكر لها سنته في بلاد قومه ، وأنه يفتض الأبكار ثم يردهن إلى أهلهن . قالت : لا تخش ذلك علي وانقلني ، وسترى ما يكون مني . فبنى لها قصراً خارج مدينة سبأ من أعظم ما يكون من الأبنية ، واتخذ لها عريشاً من العاج والأبنوس والذهب والفضة ، ونقلها إلى القصر واتخذ لها أواني الجوهر . فأقامت بلقيس في قصرها زمناً طويلاً ، وانتشر خبرها إلى ملك سبأ ، فركب في موكبه حتى وقف على باب القصر ورأى حسن بنائه ، فرجع وأرسل بجارية من جواريه إلى بلقيس ، فدخلت عليها ونظرت إليها وإلى ما في قصرها من التحف العظيمة وما عندها من جواري الإنس والجن ، فعادت إلى الملك وأخبرته بما هي عليه من الجمال وأنها ابنة وزيره . فأحضره وأنكر عليه وقال : كيف اتخذت مثل هذا القصر ولك مثل هذه البنت وأنت وزيري ولم تعلمني ولا استأذنتني في بنائه . فقال : أيها الملك ، أما القصر فإني أنفقت عليه المال الذي ورثته من أبي . وأما البنت فإنها ابنة عميرة بنت ملك الجن ، ورغبت في السكن في بلاد الإنس ، فحملتها إلى هذا المكان ، فهذه قصتها . فقال : صدقت فزوجنيها ولا بد من ذلك . فقال : أحتاج في ذلك إلى إذنها . قال : استأذنها . فجاء إليها وقال : يا بنية ، قد وقعت فيما كنت أخشاه عليك ، وذكر لها مقالة الملك . فقالت : زوجني منه ولا تخف ، فإنه لا يصل إلي . فزوجها منه بحضور أكابر أهل المملكة . ولما تم التزويج كتب الملك كتاباً إليها يقول : إني قد عشقت اسمك قبل أن أنظر إليك ، فإذا قرأت هذه الرقعة فعجلي بحضورك إلي . فكتبت إليه : إني لمشتاقة إلى وجهك أشوق منك إلي ، غير أن قصري هذا هو من بناء الجن ، وفيه عجائب كثيرة ، وقد جمعت فيه ما لا يصلح إلا لمثلك . فإن رأيت أن تتحول إلى قصري فافعل . فلما ورد جوابها عليه ركب لوقته في حشمه وجنوده وسادات قومه . فبلغ بلقيس فقالت لأبيها : امض إلى الملك وقل له : إن ابنتي من بنات الجن ولم تنظر قط إلى مثل هذه الجنود ، ففرق هؤلاء وادخل إليها منفرداً . فقال ذلك للملك ،