كتاب مصنف عبد الرزاق - ط التأصيل الثانية (اسم الجزء: 6)

فَغَلَفْنَهَا مِنْ طِيبِهِنَّ وَحُلِيِّهِنَّ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - دخَلَ، فَلَمَّا رَآهُ النِّسَاءُ ذَهَبْنَ وَبَيْنَهُنَّ وَبَينَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - سُتْرةٌ، وَتَخَلَّفَتْ أَسْمَاءُ ابْنَةُ عُمَيسٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "كَمَا أَنْتِ (¬١)، عَلَى رِسْلِكِ، مَنْ أَنْتِ؟ " قَالَتْ: أَنَا الَّتِي أَحْرُسُ ابْنَتَكَ، فَإِنَّ الْفَتَاةَ لَيْلَةَ يُبْنَى بِهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنِ امْرَأَةٍ تَكُونُ قَرِيبًا مِنْهَا، إِنْ عَرَضَتْ لَهَا حَاجَةٌ، وإِنْ أَرَادَتْ شَيْئًا أَفْضَتْ بِذَلِكَ إِلَيْهَا، قَالَ: "فإِنِّي أَسْأَلُ إِلَهِي أَنْ يَحْرُسَكِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكِ، وَمِنْ خَلْفِكِ، وَعَنْ يَمِينِكِ، وَعَنْ شِمَالِكِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"، ثُمَّ صَرَخَ بِفَاطِمَةَ فَأَقْبَلَتْ، فَلَمَّا رَأَتْ عَلِيًّا جَالِسًا إِلَى جَنْبِ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم - خَفَرَتْ وَبَكَتْ، فَأَشْفَقَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَكُونَ بُكَاؤُهَا لِأَنَّ عَلِيًّا لَا مَالَ لَه، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا يُبْكِيكِ؟ فَمَا ألَوْتُكِ فِي نَفْسِي، وَقَدْ طَلَبْتُ لَكِ خَيْرَ أَهْلِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ زَوَّجْتُكِهِ سَعِيدًا فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ" فَلَانَ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ائْتينِي بِالْمِخْضَبِ فَأمْلَئِيهِ مَاء" فَأَتَتْ أَسْمَاءُ بِالْمِخْضَبِ، فَمَلأَتْهُ مَاءً، ثُمَّ مَجَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ وَغَسَلَ فِيهِ قَدَمَيْهِ وَوَجْهَه، ثُمَّ دَعَا فَاطِمَةَ فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهِ عَلَى رَأْسِهَا، وَكَفًّا بَيْنَ ثَدْيَيْهَا، ثُمَّ رَشَّ جِلْدَهُ وَجِلْدَهَا، ثُمَّ الْتَزَمَهُمَا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمَا، اللَّهُمَّ كَمَا أَذْهَبْتَ عَنِّي الرِّجْسَ (¬٢) وَطَهَّرْتَنِي فَطَهَّرْهُمَا"، ثُمَّ دَعَا بِمِخْضَبٍ آخَرَ، ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَصَنَعَ بِهِ كَمَا صَنَع بِهَا، وَدَعَا لَهُ كَمَا دَعَا لَهَا، ثُمَّ قَالَ: "أَنْ قُومًا إِلَى بَيْتِكُمَا، جَمَعَ اللهُ بَيْنَكُمَا، وَبَارَكَ فِي سِرِّكُمَا وَأَصْلَحَ بَالَكُمَا"، ثُمَّ قَامَ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِمَا بَابَهُ بِيَدِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَخْبَرَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ أَنَّهَا رَمَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمْ يَزَلْ يَدْعُو لَهُمَا خَاصَّةً لَا يَشْرَكُهُمَا فِي دُعَائِهِ أَحَدٌ حَتَّى تَوَارَى فِي حُجَرِهِ.
° [١٠٦٥٧] عبد الرزاق، عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ، قَالَتْ لِلنَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: زَوَّجْتَنِيهِ أُعَيْمِشَ، عَظِيمَ الْبَطْنِ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لَقَدْ زَوَّجْتُكِهِ وإِنَّهُ لأَوَّلُ أَصْحَابِي سِلْمًا، وَأكثَرُهُمْ عِلْمًا، وَأَعْظَمُهُمْ حِلْمًا".
---------------
(¬١) قوله: "كما أنت" في الأصل: "كانت"، والتصويب من المصدر السابق (٢٤/ ١٣٢).
(¬٢) الرجس: القذَر، وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح. (انظر: النهاية، مادة: رجس).

الصفحة 122