كتاب مصنف عبد الرزاق - ط التأصيل الثانية (اسم الجزء: 6)
صَنَعُوا مِثْلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتْرُكوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَتَّى يَمُوتُوا جُوعًا لَفَعَلُوا، وإِنِّي لأَرَاهُمْ سَيُهْلِكُونَ قَوْمَكَ غَدًا، قَالَ: يَا عَبَّاسُ، فَادْخُلْ بِنَا عَلَيْهِ، فَدَخَلَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ (¬١) مِنْ أَدَمٍ (¬٢)، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَلْفَ الْقُبَّةِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْعُزَّى؟ فَقَالَ عُمَرُ مِنْ خَلْفِ القُبَّةِ: تَخْرَأُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: وَأَبِيكَ إِنَّكَ لَفَاحِشٌ، إِنِّي لَمْ آتِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّمَا جِئْتُ لاِبْنِ عَمِّي، وإيَّاهُ أكلِّمُ، قَالَ: فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِن أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِنَا، وَذَوِي أَسْنَانِهِمْ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا يُعْرَفُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ"، قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَدَارِي؟ أَدَارِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "نَعَمْ، وَمَنْ وَضَعَ سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ"، فَانْطَلَقَ مَعَ الْعَبَّاسِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، فَخَافَ مِنْهُ الْعَبَّاسُ بَعْضَ الْغَدْرِ فَجَلَّسَهُ عَلَى أَكَمَةٍ حَتَّى مَرَّتْ بِهِ الْجُنُودُ، قَالَ: فَمَرَّتْ بِهِ كَبْكَبَةٌ (¬٣)، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا عَبَّاسُ؟ فَقَالَ: هَذَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْيُمْنَى، قَالَ: ثُمَّ مَرَّتْ كَبْكَبَةٌ أُخْرَى، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا (*) عَبَّاسُ؟ قَالَ: هُمْ قُضَاعَةُ وَعَلَيهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: ثُمَّ مَرَّتْ بِهِ كَبْكَبَةٌ أُخْرَى، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا عَبَّاسُ؟ قَالَ: هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْيُسْرَى، قَالَ: ثُمَّ مَرَّتْ بِهِ قَوْثم يَمْشُونَ فِي الْحَدِيدِ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا عَبَّاسُ؟ الَّتِي كَأَنَّهَا حَرَّةٌ سَوْدَاءُ، قَالَ: هَذِهِ الْأَنْصَارُ عِنْدَهَا الْمَوْتُ الْأَحْمَرُ، فِيهِمْ (¬٤) رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْأَنْصَارُ حَوْلَهُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: سِرْ يَا عَبَّاسُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ صَبَاحَ قَوْمٍ فِي دِيَارِهِمْ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى مَكَّةَ نَادَى، وَكَانَ شِعَارُ قُرَيْشٍ يَا آلَ
---------------
(¬١) القبة: البيت الصغير المستدير، وهو من بيوت العرب، والجمع: القباب. (انظر: النهاية، مادة: قبب).
(¬٢) الأدم والأديم: الجلد. (انظر: النهاية، مادة: أدم).
(¬٣) الكبكبة: الجماعة. (انظر: اللسان، مادة: كبب).
(*) [٣/ ٧٦ ب].
(¬٤) في الأصل: "فمنهم".
الصفحة 48