كتاب مصنف عبد الرزاق - ط التأصيل الثانية (اسم الجزء: 6)
إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي النَّاسِ لَبَدْرٌ وَمَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْتُ شَهِدْتُ مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ (¬١) حَيْثُ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَمْ أَتَخَلَّفْ بَعْدُ عَنِ النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَآذَنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ بِالرَّحِيلِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ وَذَلِكَ حِينَ طَابَ الظِّلَالُ، وَطَابَتِ الثِّمَارُ، وَكَانَ قَلَّمَا أَرَادَ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى خَبَرَهَا (¬٢)، وَكَانَ يَقُولُ: "الْحَرْبُ خَدْعَةٌ"، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنْ يَتَأَهَّبَ النَّاسُ أُهْبَةً، وَأَنَا أَيْسَرُ مَا كُنْتُ قَدْ جَمَعْتُ رَاحِلَتِي وَأَنَا أَقْدَرُ شَيءٍ فِي نَفْسِي عَلَى الْجِهَادِ وَخِفَّةِ الْحَاذِ (¬٣)، وَأَنَا فِي ذَلِكَ أَصْغُو (¬٤) إِلَى الظِّلَالِ، وَطِيبِ الثِّمَارِ، فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - غَادِيًا بِغَدَاةٍ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْخَمِيسِ (¬٥)، فَأَصْبَحَ غَادِيًا فَقُلْتُ أَنْطَلِقُ غَدًا إِلَى السُّوقِ فَأَشْتَرِي جَهَازِي (¬٦)، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ فَانْطَلَقْتُ * إِلَى السُّوقِ مِنَ الْغَدِ فَعَسُرَ عَلَيَّ بَعْضُ شَأْنِي أَيْضًا، فَقُلْتُ: أَرْجِعُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى الْتَبَسَ (¬٧) بِيَ الذَّنْبُ، وَتَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، وَأَطُوفُ بِالْمَدِينَةِ فَيَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَخْلُفُ أَحَدًا إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا (¬٨) عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ، وَكَانَ لَيْسَ أَحَدٌ تَخَلَّفَ، إِلَّا رَأَى أَن ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ وَكَانَ النَّاسُ كَثِيرًا لَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ (¬٩) وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ (¬١٠) النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -
---------------
(¬١) العقبة: بين منى ومكة المكرمة، بينها وبين مكة المكرمة نحو ميلين، ومنها ترمى جمرة العقبة، والجمرة هي الحصا. (انظر: أطلس الحديث النبوي) (ص ٢٧١).
(¬٢) كذا في الأصل، وفي "المسند" من حديث عبد الرزاق: "بغيرها".
(¬٣) الخفيف الحاذ: القليل المال والعيال. (انظر: النهاية، مادة: حوذ).
(¬٤) أصغو: أميل. (انظر: النهاية، مادة: صغو).
(¬٥) بعده في "المسند" من حديث عبد الرزاق: "وكان يحب أن يخرج يوم الخميس".
(¬٦) جهازي: ما يجتاج إليه في غَزْوِهِ. (انظر: النهاية، مادة: جهز).
* [٣/ ٨٠ ب].
(¬٧) في الأصل: "التمس" خطأ.
(¬٨) المغموص: الطعون في دينه المتهم بالنفاق. (انظر: النهاية، مادة: غمص).
(¬٩) الديوان: الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. (انظر: النهاية، مادة: ديوان).
(¬١٠) في الأصل: "على" خطأ.
الصفحة 64