كتاب مصنف عبد الرزاق - ط التأصيل الثانية (اسم الجزء: 6)
فَرَغَ * مِنْ أَذَانِهِ قَامَ عُمَر، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُه، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْد، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا، لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بالْحَقِّ وَأَنْزَلَ مَعَهُ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آيَةَ الرَّجْمِ، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ورَجَمْنَا بَعْدَه، وإِنِّي خَائِفٌ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، فَيَقُولَ قَائِلٌ: وَاللهِ مَا الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَيضِلَّ أَوْ يَتْرُكَ فَرِيضَةً أَنْزَلَهَا اللَّه، أَلَا وإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ (¬١) وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ (¬٢) وَكَانَ الْحَمْلُ أَوْ الاِعْتِرَاف، ثُمَّ قَدْ كُنَّا نَقْرَأُ: وَلَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ، أَوْ فَإِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "لَا تُطْرُونِي (¬٣) كَمَا أَطْرَتِ (¬٤) النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ فُلَانًا مِنْكُمْ، يَقُولُ: إِنَّهُ لَوْ قَدْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَلَا يَغُرَّنَّ امْرَأً، أَنْ يَقُولَ: إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً (¬٥) وَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ يُقْطَعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، إِنَّهُ كَانَ مِنْ خَيْرِنَا حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإِنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُ تَخَلَّفُوا عَنْهُ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ، وَتَخَلَّفَتْ عَنَّا الْأَنْصَارُ بِأَسْرِهَا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ الله، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ، فَلَقِيَنَا رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ مِنَ الْأَنْصارِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ قُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْصارِ، قَالَا: فَارْجِعُوا فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ، قَالَ: قُلْتُ: فَاقْضُوا لَنَأْتِيَنَّهُمْ، فَأَتَيْنَاهُمْ فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعَدَةَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ (¬٦) رَجُلٌ مُزَّمِّلٌ، قُلْتُ:
---------------
* [٣/ ٨٧ ب].
(¬١) الإحصان: التزويج. (انظر: النهاية، مادة: حصن).
(¬٢) البينة: الحجة الواضحة. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: بين).
(¬٣) الإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه. (انظر: النهاية، مادة: طرا).
(¬٤) في الأصل: "لا تطيروني كما طيرت"، والتصويب من المصادر السابقة.
(¬٥) الفلتة: الفجأة من غير روية، وقيل: خلسة وانتزاعًا. (انظر: النهاية، مادة: فلت).
(¬٦) في الأصل: "أظهركم"، والأصوب المثبت.
الصفحة 92