كتاب تاريخ الإسلام ت بشار (اسم الجزء: 6)

269 - عبد الحميد بن عبد العزيز. القاضي أبو خازم السَّكُونيّ البَصْريُّ ثمّ البَغْداديُّ الحنفيّ الفقيه. [الوفاة: 291 - 300 ه]
يروي عَنْ: محمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى، وشعيب بن أيوب الصريفيني.
رَوَى عَنْهُ: مُكْرَم بن أحمد، وأبو محمد بن زَبْر وغيرهما،
وكان ثقة.
ولي قضاء الشام وقضاء الكوفة ثم استقضاه المعتضد على قضاء الشرقية.
قال طلحة الشاهد: كان دَيِّنًا، عالمًا بمذهب أهل العراق وبالفرائض والْجَبْر والمقابلة، وأحذق الناس بعمل المحاضر والسجلات. أخذ عَنْ: هلال الرأي، وبكر العَمِّيّ، ومحمود الأنصاريّ أصحاب محمد بن شجاع -[972]- الثلجي، وغيره. حتّى كان جماعة يفضّلونه على هؤلاء. فأمّا عقله فلا نعلم أنّ أحدًا رآه فَقَالَ إنّه رأى أعقل منه.
وقال أبو إسحاق الشّيرازيّ في " طبقات الحنفيّة ": ومنهم أبو خازم القاضي أخذ العلم عن شيوخ البصْرة بكر العَمّيّ، وغيره، وولي القضاء بالشّام، وبالكوفة، والكَرْخ من بغداد.
قال أبو علي التنوخي: حدثنا أبو بكر بن مروان القاضي، قال: حدثني مكرم بن بكر قال: كنت في مجلس أبي خازم القاضي، فتقدم شيخ ومعه غلام حَدَث. فادَّعى الشّيخ عليه ألف دينار، فأقرَّ بها. فَقَالَ للشيخ: ما تشاء؟ فَقَالَ: حبْسه. فَقَالَ للغلام: قد سمعت، فهل لك أن توفيه البعض، وتسأله إنظارك؟ فَقَالَ: لا. فَقَالَ الشيّخ: احبسه. فتفرَّس فيهما أبو خازم ساعة ثمّ قَالَ: تَلَازَما حتّى أنظر بينكما. فقلت: لم أخر القاضي حبسه؟ قال: ويحك، إنّي أعرف في أكثر الأحوال وجه المُحِقّ من الْمُبْطِلَ. وقد وقع لي أنّ سماحة هذا بالإقرار عن أمرٍ بعيدٍ من الحقّ، لعله أن ينكشف لي أمرهما. أما رأيت قلة تعاصيهما في المحاورة وسكونهما، مع عِظَم المال؟ فبينا نحن كذلك، إذ استأذن تاجر مُوسِر، فأذن له القاضي، فدخل فقال: قد بُلِيتُ بابنٍ لي حَدَث، يُتْلف مالي عند فلان المقين، فإذا منعته مالي احتال بحيلٍ تُلْجئني إلى التزام غرم. وأقربه أنه قد نصب المقين اليوم ليطالبه بألف دينار. وبلغني أنّه قدّمه إليك ليحبس، وأقع مع أُمّه في نكدٍ إلى أن أزِنَها عنه. فتبسَّم القاضي وقال لي: كيف رأيت؟ قلت: لهذا ومثله فضَّل الله القاضي. فَقَالَ: عليَّ بالغلام وبالشّيخ فأُدْخِلا، فأرهب القاضي الشّيخ، ووعظ الغلام، فأقرَّ الشيخ وأخذ التّاجر بيد ابنه وانصرفوا.
وقال أبو بَرْزَة الحاسب: لا أعرف في الدُّنيا أحسب من أبي خازم القاضي.
وقال القاضي أبو الطّاهر الذُّهَليّ: بَلَغَني أن أبا خازم القاضي جلس في الشرقية، فأدَّب خصْمًا لأمرِ، فمات. فكتب رُقعةً إلى المعتضد يقول: إنّ دِيَة هذا واجبةٌ في بيت المال، فإنْ رأى أمير المؤمنين أن يأمر بحملها -[973]- إلى وَرَثَته فعل. فحمل إليه عشرة آلاف درهم، فدفعها إلى ورثته.
قلت: كان المعتضد يجل أبا خازم ويطيعه في الخير.
وبلغنا أن أبا خازم لمّا احتضر جعل يبكي ويقول: يا ربّ مِنَ القضاء إلى القبر؟!
وله شِعرٌ رائقٌ، فمنه:
أَدَلَّ فأكرِم به من مدِلّ ... ومِن شادنٍ لدمي مستحل
إذا ما تعزز قابلته بـ ... ذل وذلك جَهْد المُقِلّ
وأسلمت خَدّي له خاضعًا ... ولولا ملاحَتَه لم أذلّ
قَالَ محمد بن الفَيْض: لم يزل محمد بن إسماعيل بن علية على قضاء دمشق إلى أن مات سنة أربع وستين ومائتين وولي بعده أبو خازم فلم يزل على القضاء إلى أن قدِم المعتضد قبل الخلافة لحرب ابن طولون، فخرج أبو خازم معه إلى العراق، وولي بعده أبو زُرْعة محمد بن عثمان.
قال الطَّحاويّ: مات ببغداد في جُمَادى الأولى سنة اثنتين وتسعين.
فأما:

الصفحة 971