كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)
شهوات النفس في الدنيا من المعاصي في نفوسهم، فشكر الله لهم في دارهي، فكلما تناولوا شهوة من طعام، أو شراب، أو لباس، أو مركب، أو مسكن، أو شيء من الأشياء، فخطر ببالهم في ذلك الشيء شهوة غيرها، تحول ذلك الشيء إلى ما اشتهت نفسه؛ لئلا يتنغص عليه عيشه، ولا يتكدر عليه عطاء ربه؛ لأن الله تعالى وعده في تنزيله: أن [في] الجنة {عطاءً غير مجذوذٍ}؛ أي: غير مقطوع، فلو كان إذا خطر بباله شيء من الشهوات، احتيج إلى مهلة حتى ينالها، لم يكن في ذلك وفاء للوعد، فجعل الله الجنة ونعيمها له هنيئة، كلما خطر بباله شهوة في شيء، تحولت له تلك في أسرع من طرفة عين إلى الشهوة الأخرى؛ وفاء لما وعد؛ ليكون عطاء غير مجذوذ دائماً أبداً.
ألا ترى أنه يأتي زوجته وهي بكر، فإذا قضى منها شهوته، عادت بكراً على حالها؟.
فهكذا شأن الجنة، فإذا خرجت من الجنة إلى الدنيا تلك الأشياء، تغيرت أحوالها؛ لأن الجنة محرمة على الآدميين حتى يذوقوا الموت.
ألا ترى أن الحجر الأسود والركن كانت تضيء كالشمس، فاسودت لأدناس الآدميين، وسترت زينتها عنهم، فهي في الباطن على هيئتها، ولكنها مستورة، ولو دقت، فصارت رضيضاً، لم تجده إلا أسود في رأي العين، وهي في الباطن على هيئتها.