كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)
فيها ولا تكلمون}؛ أي: كونوا في خلاء مني، ومن رحمتي ونوري وجودي وعطفي، فعندها ينقطع الكلام، والنداء، ويطبق عليهم، فلا يبقى لهم من الرب شيء، فذاك الحال أخلى خلاء.
فقوله عليه السلام: ((أخسئ شيطاني))؛ أي: أخله من جميع الشر الذي فيه؛ لأنه خلق من نار، حتى لا يبقى له قوة أن يكيدني بشيء، وإن دق.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فك رهاني))؛ فإن النفوس حظها من الدنيا النعمة: نعمة البصر، ونعمة السمع، ونعمة اللسان، ونعمة سائر الجوارح، وسائر النعم التي تربى بها الجوارح، وحظها من ربها الحياة، والعلم والذهن، والمعرفة والعقل، والحفظ والفهم، والفطنة والقوة، ومن يحصي نعم النفس وقوامها؟! ودوامها في الشكر، فالنفوس مرتهنة بالنعم، فإنما يفكها الشكر، فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن العباد لا يبلغون كنه الشكر، ففزع إلى ربه أن يتولى فك رهانه بجوده وفضله، وقال تعالى في تنزيله: {كل امرئٍ بما كسب رهينٌ}، وقال تعالى: {كل نفسٍ بما كسبت رهينةٌ. إلا أصحاب اليمين}.
فأصحاب اليمين: هم الموحدون، وحدوا الله بقلوبهم، ثم أبرزوا ذلك التوحيد على ألسنتهم، فنطقوا بلا إله إلا الله، فاقتضى الله عباده بالوفاء بصدقها، وصدقها مستور عن الخلق، وعند الله ظاهر، فاقتضى حفظ الجوارح السبع عن المناهي، وأداء الفرائض؛ ليبرز صدق الصادق، وكذب الكاذب.