كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)

وكل الموحدين قد أخذوا بسهم من سهام يمن اليمين كل على قدر صدقه يتوفر من ذلك اليمين، فأول أصحاب اليمين: الرسل -عليهم السلام-، وآخرهم: من أتى بكلمة التوحيد نطقاً بها، ليس معه وراء ذلك شيء، وأصحاب الدرجات فيما بين ذلك.
فكل من أتى الله مع هذه الكلمة بشيء من أعمال البر؛ من حفظ جارحة، وأداء فريضة واحدة، فقد أتى بسهم من الشكر، وإن دق، فعلى قدر ذلك من الشكر، فك رهانه، وبقي سائر السهام عليه غرماً، ولذلك قال تعالى: {إن عذابها كان غراماً}.
فأوفرهم حظاً من حفظ الحدود، وأداء الفرائض، أوفرهم حظاً من الشكر، وهذا شكرهم، فينجو من الغرم بقدر ذلك، ويفك من رهنه بقدر ما نجا من الغرم، حتى ينتهي ما وصفنا إلى درجات الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، فهم أحفظ الخلق للجوارح، وأتقاهم عليها، وأداء الفرائض-، وهم -مع هذا- مقصرون عند أنفسهم في الشكر، قال الله تعالى: {كلا لما يقض ما أمره}؛ أي: لن يبلغ أحد أن يقضي أمره على كنهه، وكيف يقدر آدمي على أن يخرج من لحمه ودمه الذي أصله من التراب، ومعه شهوات نفسه، ووسواسه ما يبلغ كنه أمره الذي هو أهله؟! هيهات هيهات! فالآدميون عجزوا عن هذا، فلذلك فزع إلى ربه، فقال: ((فك رهاني)) حتى يكون الذي عجز عنه الآدميون هو الذي يفكه بجوده، فينجو من رهان الشكر.

الصفحة 142