كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)

فجهة منها: أن الذي يسرها، إنما يسرها لتصفو له؛ لأنه إذا أحست نفسه بشعور الناس، علمت أنه ينال بذلك عند الخلق رفعة وكرامة، وصارت له من القلوب منزلة بقضاء حوائجه، ويعظم على ذلك، ففرحت بذلك، وقويت بما دخلها من الفرح، فإذا هو يطلب الجزاء من الله، والثواب من الخلق، فهذا الذي في نفسه هذه الفتنة كائنة، يجاهد نفسه في وقت العمل إذا أعلن به، حتى ينكر ذلك عليها، ولا يرضى، ولا يقبل منها هذا الوسواس، ولا يطمئن إليها.
فإن أغفل المجاهدة طرفة عين، وجد نفسه في عين هذه الفتنة، فإن تراخى، ولم يتشمر لرد ذلك عليها، صار عمله رياءً، وإن لم يقبل ذلك من نفسه، وكره بقلبه ما جاءت به، وثقل عليه شأنها، ثبت له عمله مع المجاهدة، فصاحب هذا ضعيف اليقين.
فإذا هرب من الإعلان وأسره، ضوعف له عمله سبعين ضعفاً؛ لأنه يفرغ لله قلبه من إشغال النفس، ومن تلك الهيئات التي كانت النفس تورد على قلبه، حتى كان يحتاج إلى الاشتغال بالمجاهدة، فهو عمل ظاهر قد خلا بطاعة ربه وعبودته في ذلك الوقت في ذلك العمل، فصارت الواحدة سبعين؛ لأن التربية ألقيت إلى التوحيد، فهو الذي يريبها، فإذا أعلنها نصحاً لله في عباده، وحباً لأن يعبده الخلق بمحابه، صار السبعون مضاعفاً الضعف الذي لا يحصيه إلا الله.
فإذا لم يكن من رجال الإعلان، ولم يبلغ قلبه من المنازل محلاً، تموت فتنة نفسه، ويفتقد منها حب المدح من الخلق، وفرح الرئاسة، والعلو، أمسك عن الإعلان، وأسره، فإذا أسره، فقد صانه، وخلا بطاعة

الصفحة 229