كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)
ألا ترى أن الطاعات تخرج من إيمان القلب والمعاصي، وفساد الطاعات إنما تخرج من شهوات النفس والهوى؟
فتأويل هذه الكلمة عندنا الذي قال: ((يتصدق بيمينه يخفيها من شماله)):
أي: يتصدق بقلبه، ويخفيها من نفسه، فالإيمان في القلب، والهوى في النفس، فإذا أخفاها من الهوى، فهذا إنسان يغلب الريح، يتقيها بيده؛ كما وصفه علي رضي الله عنه؛ لأن الهوى تنفس النار، فهو ريح يخرج منها، فتمر بباب النار، فتحمل شهوات الآدمي إلى المواضع التي قد ركبت في الآدمي من تلك الشهوات، حتى ينشرها، فتشتعل في العروق، فتأخذ القلب.
فقوله: ((يتصدق بيمينه يخفيها من شماله))، وقوله: ((يغلب الريح يتقيها بيده))، كلاهما مرجعهما إلى شيء واحد، وهو: أن يعمل عملاً مبتدؤه من الإيمان من القلب، فيسره الهوى، وإسراره: أن يرمي به خلف ظهره، ولا يلتفت إليه، ولا يجعله نصب عينه، حتى يعجب به، أو يرى لنفسه عملاً، فيتكل عليه ويرجو النجاة بذلك غداً، والالتفات إلى الأعمال: التفات إلى النفس، وتلك حظها، فهي تركن إلى ذلك، وتعتده، وتثق به، حتى ترجو النجاة به، فإذا هو قد تعلق بالأعمال، واتخذها ولياً من دون الله، ونزع يده من التعلق بالرحمة، فوكله الله إلى نفسه، وإلى عمله، فمنها بدأ هلاكه.
ولذلك قال: ((يا داود بشر المذنبين، وأنذر الصديقين، قال: وكيف ذلك يا رب؟ قال: بشر المذنبين: أن لا يتعاظمني ذنبٌ أغفره، وأنذر الصديقين: أن ليس أحدٌ منهم أنصبه للحساب، وأقيمه على