كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)

أرسل مشفريه كمشفري البعير، وعبس وجهه، وانقبض انقباض القنفذ، وإذا حكم عليه، التوى، ودلك بقدميه على الأرض.
فهذا: عبد دنياه، وعبد بطنه، وعبد فرجه وشهواته ومناه، فمن أن يقدر هذا أن يعظم أمر الله، ويعظم حقوقه، ويتذلل له عبودة؟! ومتى يصير هذا عالماً بالله، عارفاً له، وعارفاً لمننه وإحسانه، شاكراً، خاشعاً، خاضعاً، خائفاً لزوال النعمة، مستحيياً منه؟.
هيهات، ما أبعد هذا! فهذا رضيع في المهد، فأين يكون غداً من تلك العرصة العظيم شأنها، ومن تلك الصفوف، كما يكون الصبي في محافل الدنيا مع مخاطه، وأدناسه، ولهوه، ولعبه، وخرقه من وراء الباب، لا يعبأ به، ولا يهيأ له مجلس، والذي فطم حتى شب، وتأدب، والتحى، وأخذ الزينة، والهيئة، والبهاء من اللباس، والأدب أين يقعد؟.
فكذلك: من فطم نفسه عن الشهوات، والمنى عن ارتضاع حلاوة الدنيا، ورمى تعلل نفسه وبقبقته، ورفع باله عن الخلق، ماذا يقال له؟ وماذا يكون؟ أعتقه الله من رق النفس بأنوار الهدى، وحشا صدره من أنوار الحظوظ، ووسمه بسماته.
فالدنيا كلها تحت قدمه، والخلق من وراء ظهره، والله تعالى نصب عينيه، يتخطى على أعناق الخلق في الموقف إلى الله تعالى، يشق الصفوف صفاً صفاً، ويقال له: ادن، حتى يغبطه الناظرون إليه من أهل القربة، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الصفحة 247