كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)

روي لنا: أن عامر بن عبد قيس كان يأخذ عطاءه في ثوبه، ثم يعطيها قبضة قبضة، فإذا بلغ المنزل، وزنت، فوجدت كما هي، فكان بنو أعمامه يفعلون ذلك، فينقص، فقالوا له ذلك، فقال: إنكم تجربون الله، وأنا لا أجرب.
فأما العامة من الموحدين، فإن الله تعالى أمرهم بالصدقة؛ كي يرجع نور الطاعة بالصدقة إلى قلوبهم، فيطهرها من آفات الميل، ولذلك سمي مالاً، فهو مسمى في التنزيل باسمين: مالٌ، وخيرٌ.
فالخير: ما كان منه منزوع الحمة، وحمة المال وسمه: حبك له، فكل شيء منزوع منه حمته وسمه من قلبك، فهو خير، وكل شيء حمته وسمه باقٍ في السر، وهو حبك، فاسمه: مال؛ لأنه مال بقلبك عن الله، فأما في التنزيل، فهو قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً}، وهو قوله: {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي}، وقوله تعالى: {وإنه لحب الخير لشديدٌ}، وقوله تعالى: {إن ترك خيراً}.
فسماه خيراً عند حضور الموت، وزوال الشهوة، وخلائه من محبته؛ لأن فزع الموت، وهول المقدم على الله، يطفئ نار الشهوات، ويطمس حب المال عن قلبه، فسماه في ذلك الوقت: خيراً.
وقال تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً}؛ لأن ذلك وقت عطف ورحمة من السيد على عبد يرغب في عتقه من الرق، وتأخذه الحاجة؛ لأن المال مقام الدين، فمن أحب المال لحب الدين فقد صدق الله في إيمانه، ووفى له، ولم يدخل عليه في حب إيمانه ممازجة، ولا شوبٌ، وعلامته: أن يكون بما أعطى أشد فرحاً منه بما بقي في يده.

الصفحة 272