كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)

قد ضاع عنك، المنعم يجري عليك رزقه، ويذكرك بإدرار نعمه عليك، وقد ضيعت في ذلك الوقت الخدمة، فهو في ذكرك، وأنت عنه في غفلةٍ، فإن لم تتبع بالتبعات، فقد لحقتك الحسرة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإنما يتحسر في الجنة من تلك الساعة)).
لأنه قد انكشف له الغطاء عما أوجب الله له في وقت ذكره في تلك الساعات التي ذكر فيها؛ لأن ثواب عمل الأركان من قصور الجنة، وأنهارها، ونعيمها، وثواب الذكر من فرح الله بالعبد، وحبه له، وتقريبه، والبسطة منه، والبر له، وما لا يوصف من هذا الباب أكثر من أن تحتمله القلوب في الدنيا.
فالمسخرون: قد عملوا أعمالهم، وأوصلوا منافع السخرة إلى هذا الآدمي، وضاعت الخدمة عن الآدمي بقدر ما غاب عن قلبه ذكره، ولو طرفة أو لحظة، وذلك موضوع عن الآدمي؛ لأنه لا يملكه؛ لأنه خلق عجولاً ونسياً وخطاءً، مشغولاً بالشهوات، مبتلى بها، وخلق في غيب، والملائكة خلقت في جهر، وكشف الغطاء، ينظرون إلى أنوار العظمة، وأمور منكشفة الغطاء، وعروا من الشهوات، فلذلك قدروا على دوام الذكر، وصارت أنفاسهم تسبيحاً؛ لأن أنفاسهم تخرج من النفس التي بها تعلقت قلوبهم وأرواحهم وجميع أجسادهم.

الصفحة 311