كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)

يثابون، وأعلمهم أن هاهنا عدواً قد وجد السبيل إلى هذه الشهوات والهوى، كما وجد إلى أبيهم السبيل في داره، وحذرهم أن لا يلتفتوا إلى غرور هذا العدو الذي يوسوس إليهم، وأن يفروا إلى الله من هبوب الهوى إذا هب في الجوف، فأثار الشهوات حتى دبت في العروق، فاشتملت على الجسد، ومالت بقلبك عن الله، فيصدك عن سبيل الله إذا اتبع قلبك الهوى، وتقدم إليك في تنزيله في قوله: {يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يوم الحساب}.
فأعلمنا في تنزيله: أن نسيان يوم الحساب يجرئنا على استعمال الهوى، وعلى ترك الحذر من العمل بالهوى، وأعلمنا في آية أخرى: أن في يوم الحساب إبلاء السرائر، واستخراج حاصل الصدور، وليعلم العباد أن الهوى إذا ظهر، لم يطع، وإذا انكمن، لم يؤمن، فتمت حجة الله عليهم بما وصفنا من العطاء، فمن لم يعطه روحاً أو قوةً، أو علماً، أو ذهناً، أو حفظاً، أو شيئاً من هذه الأشياء، لم يقتضه ما يخرج له من ذلك الشيء.
كما أنه إذا لم يعطك الرجل، لم يقتضك الصلاة قائماً، وإذا لم يعطك القوة، لم يقتضك الصوم، وإذا لم يعطك السبيل إلى الحج، لم يقتضك الحج، وإذا لم يعطك المال، لم يقتضك الزكاة، وإذا لم يعطك الكسوة،

الصفحة 329