كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)

قال أبو عبد الله رحمه الله:
قوله: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))، فالصلاة: هي تصلية المرء بن يدي ربه؛ لينال من سبحات وجهه الكريم؛ لأن العبد إذا وقف بين يديه مصلياً، أقبل الله عليه بوجهه، كذلك جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال في تنزيله: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}.
فأحسن العبد حيث أقبل على الله بوجهه الذي هو مكارم بدنه، ثم وضع وجهه بمكارمه على الأرض تذللاً وتواضعاً لوجهه الكريم، ولذلك جرت الأخبار من مقال الرسل من مثل داود وغيره -عليهم السلام- أن قال: سجد وجهي لوجهك الكريم، فكان من جزاء الله له أن أقبل عليه بوجهه.
فالمصلي: هو كالمصطلي بنار، يقف على النار حتى يدفئ جسده من حر النار، فأمر العباد أن يقفوا بين يديه بالإقبال عليه قلباً وبدناً، فيقبل عليهم بوجهه الكريم، فينالهم من سبحات وجهه ما تحيا قلوبهم من موت الشهوات، ويطهر جوارحهم من أدناس الذنوب، فسمي ذلك الوقوف: صلاة، مشتق من الصلي.
فإذا وقف العبد، فمن أدب الوقوف: أن يترضى ربه بالثناء عليه، فيذكر مدائحه وصنائعه، ثم يسأل حاجته، فكانت لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأمته حظوظ مخزونة عنده في سره وغيبه ليست لأحد من ولد آدم، فلو أبرزها؛ لمدت الرسل والأنبياء والأمم أعينهم إلى تلك الحظوظ، وظهرت الخصومة،

الصفحة 360