كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 6)

خلقه فيما روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالواحدة التي قسمها بين خلقه احتظى منها الآدمي، وسائر الأمم، حتى الطيور والوحوش والبهائم، فتلك رحمة العطف، فبها يتعاطفون، واشترك فيها البر والفاجر، والولي والعدو.
وأما هذه الرحمة التي وصفناها بدءاً، فهذه رحمة الإيمان، مأخوذة من الرحمة العظمى التي منها بدت تلك المئة، فأوفرهم حظاً من المعرفة بالله والعلم به: أوفرهم حظاً من القربة، وأوفرهم حظاً من القربة: أوفرهم حظاً من الرحمة، فكلما كان القلب أقرب إلى الله، كان ألين، وفؤاده أرق، وكلما تباعد القلب من الله بمعصية يأتيها، كان قلبه أقسى وأبعد من الرحمة.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً}؛ فإنما قست بالتباعد من الله من أجل نقض الميثاق.
ولذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة إلا الرحيم))، قالوا: يا رسول الله! كلنا يرحم، فقال: ((ليس رحمة أحدكم خويصته -يعني: أهله وولده-، ولكن حتى يرحم العامة)).
فرحمتك الخويصة هي رحمة العطف من الرحمة المقسومة بين خلقه،

الصفحة 381