كتاب بحر المذهب للروياني (اسم الجزء: 6)

وقال عطاء بن السائب: الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين، والفيء، ما ظهر عليه من الأرضين، وهذا قول شذ به عن الكافة فكان مطرحاً معمل في الفيء من قول الله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [الحشر:7]، ولم يقل من القرى.
والأصل في الغنيمة قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41].
والأصل في الفيء قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر:7] الآية.
فصل
وقد كانت الغنيمة محرمة على من تقدم من الأنبياء، وكانت تجمع فتنزل نار من السماء فتحرقها إلى أن أحلها الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي" إلى أن قال: "وأحلت لي الغنائم" (¬1) الحديث. فجعلها الله تعالى في صدر الإسلام ملكاً لرسوله - صلى الله عليه وسلم - خالصاً دون غيره بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ} [الأنفال: 1] والأنفال: هي: الغنائم؛ لأن النفل في كلامهم هو الزيادة من الخير، ومنه صلاة النافلة، وقال لبيد بن ربيعة (¬2).
إن تقوى ربنا حير نفل وبإذن الله ريثي والعجل
فسميت الغنائم أنفالاً، لأنها زيادة مال مستفاد، وفي السبب الذي نزلت هذه الآية من أجله ثلاثة أقاويل:
أحدهما: أن أهل بدر شكوا في غنائمها فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَال} [الأنفال:1]. ولم يعلموا حكم إباحتها وحظرها حتى سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1].
والثاني: أن شبان المقاتلة يوم بدر تسارعوا إلى القتال، وثبت الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح الله عليهم مال الشبان: نحن أحق بالغنائم لقتالنا، وقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردا، لكم، فانزل الله تعالى هذه الآية فيهم (¬3).
والثالث: أن من شهد بدراً من المهاجرين والأنصار اختلفوا وكانوا أثلاثاً في الغنائم أيهم أحق بها فنزلت هذه الآية فيهم، وجعلها الله ولرسوله دونهم حسماً لتنازعهم، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم على رأيه واجتهاده وأدخل منهم ثمانية لم يشهدوا بدراً، منهم عثمان بن عفان، وطلحة - رضي الله عنهم - أما عثمان فلتشاغله بتمريض زوجته رقية بنت
¬__________
(¬1) تقدم تخريجه.
(¬2) البيت من الرمل، وهو في ديوانه ص 174، لسان العرب (81/ 670 - نفل)، ومقاييس اللغة (2/ 464)، وتاج العروس (نفل)، وجمهور الأشعار (7)، وشواهد الكشاف (229).
(¬3) أخرجه أبو داود (2737)، والحاكم (2/ 326).

الصفحة 224