كتاب التقاسيم والأنواع (اسم الجزء: 6)
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَوْلُهُ صَلى الله عَلَيه وسَلم: "وَأَمَّا خَالِدٌ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ"، يُرِيدُ إِنَّكُمْ تَظْلِمُونَهُ أَنَّهُ حَبَسَ مَالَهُ مِنَ الأَدْرَاعِ وَالأَعْتَادِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ.
وَقَوْلُهُ فِي شَأْنِ الْعَبَّاسِ: "هُوَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا"، يُرِيدُ أَنَّ صَدَقَتَهُ عَلَيَّ أَنِّي ضَامِنٌ عَنْهُ وَمِثْلُهَا مَعَهَا مِنْ صَدَقَةٍ ثَانِيَةٍ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وَقَدْ رَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَالَ فِي شَأْنِ الْعَبَّاسِ: "فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا"، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ، لأَنَّ الْعَرَبَ فِي لُغَتِهَا تَقُولُ: عَلَيْهِ، بِمَعْنَى لَهُ، قَالَ اللهُ: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: ٢٥]، يُرِيدُ: عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ، وَالْعَبَّاسُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ الْفَرِيضَةِ، وَالأُخْرَى: أَنَّهُ كَانَ مِنْ صِبْيَةِ بَنِي هَاشِمٍ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ الْمُصْطَفَى صَلى الله عَلَيه وسَلم صَدَقَتَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا، وَيَمْنَعُهَا مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الْفُقَرَاءِ؟ وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ هَذَا الْخَبَرَ، وَقَالَ فِي شَأْنِ الْعَبَّاسِ: "فَهِيَ لَهُ وَمِثْلُهَا مَعَهَا"، يُرِيدُ: فَهِيَ لَهُ عَلَيَّ، كَمَا قَالَ وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ فِي خَبَرِهِ. [٣٢٧٣]
ذِكْرُ الإِبَاحَةِ لِلإِمَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْمُكَاتَبَةِ إِذَا جَعَلَ صَدَاقَهَا أَدَاءَ مَا كُوتِبَتْ عَلَيْهِ.
٥٦٥٨ - أَخبَرنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخبَرنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدثنا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا سَبَى رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، أَوْ لاِبْنِ عَمِّهِ، فَكَاتَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلَاحَةً لَا يَكَادُ يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَاّ أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَاّ أَنْ وَقَفَتْ عَلَى بَابِ الْحُجْرَةِ فَرَأَيْتُهَا كَرِهْتُهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ مَا رَأَيْتُ، فَقَالَتْ جُوَيْرِيَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ مِنَ الأَمْرِ مَا قَدْ عَرَفْتَ، فَكَاتَبْتُ على نَفْسِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم أَسْتَعِينُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم: "أَوَ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ " فَقَالَتْ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: "أَتَزَوَّجُكِ وَأَقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ! " فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "قَدْ فَعَلْتُ"، قَالَتْ: فَلَمَّا بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ، قَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، فَأَرْسَلُوا مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، قَالَتْ: فَلَقَدْ عَتَقَ بِتَزْوِيجِهِ مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، قَالَتْ: فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا. [٤٠٥٤]
الصفحة 479