كتاب شرح المصابيح لابن الملك (اسم الجزء: 6)

رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ مَا جِئْتَ بهِ إِلَّا عُودِي، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نصْراً مُؤَزَّراً، ثُمَّ لمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوفِّيَ، وفَتَرَ الوَحْيُ حتَّى حَزِنَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -فيما بلغنَا- حُزناً غَدَا مِنْهُ مِراراً كيْ يَترَدَّى منْ رُؤُوْسِ شَواهِقِ الجِبالِ، فكلَّما أَوْفَى بذِروَةِ جَبَلٍ لِكيْ يُلقِي نفسَهُ منهُ تبَدَّى لهُ جِبريلُ فَقَال: "يَا مُحَمَّدُ! إنَّكَ رَسُولُ الله حَقاً". فيَسكُنُ لذلكَ جأْشُهُ وتقِرُّ نفسُهُ.
"وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أولُ ما بدء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَقِ الصبح"؛ أي: ضوءه.
"ثم حُببَ إليه الخلاء" وهو في الأصل مصدر خلا يخلو، يطلق على الموضع الخالي.
"وكان يخلو بغار حراء" بالكسر والمد: جبل بمكة؛ أي: في كهفه.
"فيتحنَّث فيه، وهو"؛ أي: التحنُّث "التعبد" تفسير من قول عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام الزهري؛ أي: يتعبَّد في ذلك الغار، سُمي التعبد تحنُّثاً؛ لأنه يُلقي به الحِنْثَ والذنب عن نفسه، وأصله: التجنُّب عما يوجب الحنث.
"الليالي" نصب على الظرف لـ (يتحنَّث).
"ذوات العدد قبل أن ينزع" متعلق بـ (يتحنّث) يعني: يتعبد فيه أياماً قلائل قبل أن يشتد الشوق "إلى أهله"؛ يعني: لا يترك أهله بالكلية، بل كان يجعل لهم منه حظاً.
"ويتزوَّد لذلك"؛ أي: يأخذ الزاد قَدْرَ تلك الأيام.
"ثم يرجع إلى خديجة" أم فاطمة إذا نَفَدَ زاده.
"فيتزود لمثلها"؛ أي: لمثل تلك الأيام.
"حتى جاءه الحق"؛ أي: الأمر الحق وهو الوحي، أو رسول الحق وهو جبريل عليه السلام.

الصفحة 246