كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 101 "
واختار الزجاج والتبريزي أن يكون أفعل للتفضيل واختار الفارسي والزمخشري وابن عطية أن تكون فعلاً ماضياً ، ورجحوا هذا بأن ) أَحْصَى ( إذا كان للمبالغة كان بناء من غير الثلاثي ، وعندهم أن ما أعطاه وما أولاه للمعروف وأعدى من الجرب شاذ لا يقاس . ويقول أبو إسحاق : إنه قد كثر من الرباعي فيجوز ، وخلط ابن عطية فأورد فيما بني من الرباعي ما أعطاه للمال وآتاه للخير وهي أسود من القار وماؤه أبيض من اللبن . وفهو لما سواها أضيع . قال : وهذه كلها أفعل من الرباعي انتهى . وأسود وأبيض ليس بناؤهما من الرباعي . وفي بناء أفعل للتعجب وللتفضيل ثلاثة مذاهب يبني منه مطلقاً وهو ظاهر كلام سيبويه ، وقد جاءت منه ألفاظ ولا يبني منه مطلقاً وما ورد حمل على الشذود والتفصيل بين أن تكون الهمزة للنقل . فلا يجوز ، أو لغير النقل كأشكل الأمر وأظلم الليل فيجوز أن تقول ما أشكل هذه المسألة ، وما أظلم هذا الليل . وهذا اختيار ابن عصفور من أصحابنا . ودلائل هذه المذاهب مذكورة في كتب النحو ، وإذا قلنا بأن ) أَحْصَى ( اسم للتفضيل جاز أن يكون ) أَيُّ الحِزْبَيْنِ ( موصولاً مبنياً على مذهب سيبويه لوجود شرط جواز البناء فيه ، وهو كون ) أَيُّ ( مضافة حذف صدر صلتها ، والتقدير ليعلم الفريق الذي هو ) أَحْصَى ( ) لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا ( من الذين لم يحصوا ، وإذا كان فعلاً ماضياً امتنع ذلك لأنه إذ ذاك لم يحذف صدر صلتها لوقوع الفعل صلة بنفسه على تقدير جعل ) أَيُّ ( موصولة فلا يجوز بناؤها لأنه فات تمام شرطها ، وهو أن يكون حذف صدر صلتها .
وقال : فإن قلت : فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل ؟ قلت : ليس بالوجه السديد ، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس ، ونحو أعدي من الجرب ، وأفلس من ابن المذلق شاذ ، والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به ، ولأن ) أَمَدًا ( لا يخلو إما أن ينصب بأفعل فأفعل لا يعمل ، وإما أن ينصب بلبثوا فلا يسد عليه المعنى ، فإن زعمت أني أنصبه بإضمار فعل يدل عليه ) أَحْصَى ( كما أضمر في قوله :
واضرب منا بالسيوف القوانسا
على يضرب القوانس فقد أبعدت المتناول وهو قريب حيث أبيت أن يكون ) أَحْصَى ( فعلاً ثم رجعت مضطراً إلى تقديره وإضماره انتهى . أما دعواه الشذوذ فهو مذهب أبي عليّ ، وقد ذكرنا أن ظاهر مذهب سيبويه جواز بنائه من أفعل مطلقاً وأنه مذهب أبي إسحاق وأن التفصيل اختيار ابن عصفور وقول غيره . والهمزة في ) أَحْصَى ( ليست للنقل . وأما قوله فافعل لا يعمل ليس بصحيح فإنه يعمل في التمييز ، و ) أَمَدًا ( تمييز وهكذا أعربه من زعم أن ) أَحْصَى ( أفعل للتفضيل ، كما تقول : زيداً أقطع الناس سيفاً ، وزيد أقطع للهام سيفاً ، ولم يعربه مفعولاً به . وأما قوله : وإما أن ينصب بلبثوا فلا يسد عليه المعنى أي لا يكون سديداً فقد ذهب الطبري إلى نصب ) أَمَدًا ( بلبثوا . قال ابن عطية : وهذا غير متجه انتهى . وقد يتجه ذلك أن الأمد هو الغاية ويكون عبارة عن المدة من حيث أن للمدة غاية في أمد المدة على الحقيقة ، وما بمعنى الذي و ) أَمَدًا ( منتصب على إسقاط الحرف ، وتقديره لما ) لَبِثُواْ ( من أمد أي مدة ، ويصير من أمد تفسيراً لما أنهم في لفظ ) مَا لَبِثُواْ ( كقوله ) مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ ( ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل . وأما قوله : فإن زعمت إلى آخره فيقول : لا يحتاج إلى هذا الزعم لأنه

الصفحة 101