كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 103 "
ولولا تحضيض صحبه الإنكار إذ يستحيل وقوع سلطان بيَّن على ذلك فلا يمكن فيه التحضيض الصرف ، فحضوهم على ذلك على سبيل التعجيز لهم ، ومعنى ) عَلَيْهِمْ ( على اتخاذهم آلهة و ) اتَّخَذُواْ ( هنا يحتمل أن يكون بمعنى عملوا لأنها أصنام هم نحتوها ، وأن تكون بمعنى صيروا ، وفي ما ذكروه دليل على أن الديّن لا يؤخذ إلاّ بالحجة والدعوى إذا لم يكن عليها دليل فاسدة وهي ظلم وافتراء على الله وكذب بنسبة شركاء الله .
الكهف : ( 16 ) وإذ اعتزلتموهم وما . . . . .
و ) إِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ( خطاب من بعضهم لبعض والأعتزال يشمل مفارقة أوطان قومهم ومعتقداتهم فهو اعتزال جسماني وقلبي ، وما معطوف على المفعول في ) اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ( أي واعتزلتم معبودهم و ) إِلاَّ اللَّهُ ( استثناء متصل إن كان قومهم يعبدون الله مع آلهتهم لاندراج لفظ الجلالة في قوله ) وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ اللَّهَ ).
وذكر أبو نعيم الحافظ عن عطاء الخراساني أنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه آلهة فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم يعتزلوا عبادة الله . وقال هذا أيضاً الفرّاء ، ومنقطع إن كانوا لا يعرفون الله ولا يعبدونه لعدم اندراجه في معبوداتهم . وفي مصحف عبد الله ) وَمَا يَعْبُدُونَ ( من دوننا انتهى وما في مصحف عبد الله فيما ذكر هارون إنما أريد به تفسير المعنى . وإن هؤلاء الفتية اعتزلوا قومهم ) وَمَا يَعْبُدُونَ ( من دون الله وليس ذلك قرآناً لمخالفتها لسواد المصحف ، ولأن المستفيض عن عبد الله بل هو متواتر ما ثبت في السواد وهو ) مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهِ ). وقيل : ) وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ اللَّهَ ( كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله تعالى ، فعلى هذا ) مَا ( فيه و ) إِلا ( استثناء مفرغ له العامل .
( فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ ( أي اجعلوه مأوى لكم تقيمون فيه وتأوون إليه . وقوله ) يَنْشُرْ ( فيه ما كانوا عليه من التوكل حيث أووا إلى كهف ، ورتبوا على مأواهم إليه نشر رحمة الله عليهم وتهيئة رفقه تعالى بهم لأن من أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان لا يضيعه ، والمعنى أنه تعالى سيبسط علينا رحمته ويهيء لنا ما نرتفق به في أمر عيشنا .
قال ابن عباس : ) اللَّهُ لَكُمْ ( يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ، ويأتيكم باليسر والرفق واللطف . وقال ابن الأنباري : المعنى ) اللَّهُ لَكُمْ ( بدلاً من أمركم الصعب ) مّرْفَقًا ). قال الشاعر : فليت لنا من ماء زمزم شربة
مبردة باتت على طهيان أي بدلاً من ماء زمزم . وقال الزمخشري : إما أن يقولوا ذلك ثقة بفضل الله وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم ، وإما أن يخبرهم به نبيّ في عصرهم ، وإما أن يكون بعضهم نبياً . وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة وحميد وابن سعدان ونافع وابن عامر وأبو بكر في رواية الأعشى والبرجي والجعفي عنه ، وأبو عمرو في رواية هارون بفتح الميم وكسر الفاء . وقرأ ابن أبي إسحاق وطلحة والأعمش وباقي السبعة بكسر الميم وفتح الفاء رفقاً لأن جميعاً في الأمر الذي يرتفق به وفي الجارحة حكاه الزجاج وثعلب . ونقل مكي عن الفراء أنه قال : لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلاّ كسر الميم ، وأنكر الكسائي أن يكون المرفق من الجارحة إلاّ بفتح الميم وكسر الفاء ، وخالفه أبو حاتم وقال : المرفق بفتح الميم الموضع كالمسجد . وقال أبو زيد : هو مصدر كالرفق جاء على مفعل . وقيل : هما لغتان فيما يرتفق به وإما من اليد فبكسر الميم وفتح الفاء لا غير ، وعن الفراء أهل الحجاز يقولون ) مّرْفَقًا ( بفتح الميم وكسر الفاء فيما ارتفقت به ويكسرون مرفق الإنسان ، والعرب قد يكسرون الميم منهما جميعاً انتهى وأجاز معاذ فتح الميم والفاء .
الكهف : ( 17 ) وترى الشمس إذا . . . . .
( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمَالِ

الصفحة 103