" صفحة رقم 124 "
الكلام على هذه الجملة في أواخر البقرة . وتمنيه انتفاء الشرك الظاهر أنه صدر منه ذلك في حالة الدنيا على جهة التوبة بعد حلول المصيبة ، وفي ذلك زجر للكفرة من قريش وغيرهم لئلا يجيء لهم حال يؤمنون فيها بعد نقم تحل بهم ، قيل : أرسل الله عليها ناراً فأكلتها فتذكر موعظة أخيه ، وعلم أنه أتى من جهة شركة وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركاً .
الكهف : ( 43 ) ولم تكن له . . . . .
وقال بعض المفسرين : هي حكاية عن قول الكافر هذه القالة في الآخرة ، ولما افتخر بكثرة ماله وعزة نفره أخبر تعالى أنه لم تكن ) لَّهُ فِئَةٌ ( أي جماعة تنصره ولا كان هو منتصراً بنفسه ، وجمع الضمير في ) يَنصُرُونَهُ ( على المعنى كما أفرده على اللفظ في قوله ) فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ( واحتمل النفي أن يكون منسحباً على القيد فقط ، أي له فئة لكنه لا يقدر على نصره . وأن يكون منسحباً على القيد ، والمراد انتفاؤه لانتفاء ما هو وصف له أي لا فئة فلا نصر وما كان منتصراً بقوة عن انتقام الله .
وقرأ الأخوان ومجاهد وابن وثاب والأعمش وطلحة وأيوب وخلف وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير ولم يكن بالياء لأن تأنيث الفئة مجاز . وقرأ باقي السبعة والحسن وأبو جعفر وشيبة بالتاء . وقرأ ابن أبي عبلة ) فِئَةٌ ( تنصره على اللفظ
الكهف : ( 44 ) هنالك الولاية لله . . . . .
والحقيقة في هنالك أن يكون ظرف مكان للبعد ، فالظاهر أنه أشير به لدار الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله كقوله ) لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ). قيل : لما نفى عنه الفئة الناصرة في الدنيا نفى عنه أن ينتصر في الآخرة ، فقال ) وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً هُنَالِكَ ( أي في الدار الآخرة ، فيكون ) هُنَالِكَ ( معمولاً لقوله ) مُنْتَصِراً ). وقال الزجّاج : أي ) وَمَا كَانَتْ مُنْتَصِراً ( في تلك الحال و ) الْوَلَايَةُ لِلَّهِ ( على هذا مبتدأ وخبر . وقيل : ) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ ( مبتدأ وخبر ، والوقف على قوله ) مُنْتَصِراً ).
وقرأ الأخوان والأعمش وابن وثاب وشيبة وابن غزوان عن طلحة وخلف وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير ) الْوَلَايَةُ ( بكسر الواو وهي بمعنى الرئاسة والرعاية . وقرأ باقي السبعة بفتحها بمعنى الموالاة والصلة . وحُكِي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحن لأن فعالة إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلداً وليس هنالك تولي أمور . وقال الزمخشري : ) الْوَلَايَةُ ( بالفتح النصرة والتولي بالكسر السلطان والملك ، وقد قرىء بهما والمعنى هنالك أي في ذلك المقام ، وتلك الحال النصرة لله وحده لا يملكها غيره ولا يستطيعها أحد سواه تقريراً لقوله ) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ( أو ) هُنَالِكَ ( السلطان والملك ) لِلَّهِ ( لا يغلب ولا يمتنع منه ، أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر يعني إن قوله ) وَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ( كلمة ألجىء إليها فقالها فزعاً من شؤم كفره ، ولولا ذلك لم يقلها . ويجوز أن يكون المعنى ) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ ( ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفي صدورهم من أعدائهم ، يعني أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن . وصدق قوله عسى ) رَبّى إِنَّ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء ( ويعضده قوله ) هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ( أي لأوليائه انتهى .
وقرأ النحويان وحميد والأعمش وابن أبي ليلى وابن مناذر واليزيدي وابن عيسى الأصبهاني ) الْحَقّ ( برفع القاف صفة للولاية . وقرأ باقي السبعة بخفضها وصفاً لله تعالى . وقرأ أُبيّ ) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ ( الحق لله برفع الحق للولاية وتقديمها على قوله ) لِلَّهِ ). وقرأ أبو حيوة وزيد بن عليّ وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال ويعقوب عن عصمة عن أبي عمرو ) لِلَّهِ الْحَقّ ( بنصب القاف . قال الزمخشري : على التأكيد كقولك هذا عبد الله الحق لا الباطل وهي قراءة حسنة فصيحة ، وكان عمرو بن عبيد رحمة الله عليه ورضوانه من أفصح الناس وأنصحهم انتهى . وكان قد قال الزمخشري : وقرأ عمرو بن عبيد رحمه الله انتهى . فترحم عليه وترضى عنه إذ هو من أوائل أكابر شيوخه المعتزلة ، وكان على غاية من الزهد والعبادة وله أخبار في ذلك