كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 127 "
والتلاشي إلى أن فرقته الرياح ولعبت به ذاهبة وجائية ، أخبر تعالى عن اقتداره على كل شيء من الإنشاء والإفناء وغيرهما مما تتعلق به قدرته تعالى .
الكهف : ( 46 ) المال والبنون زينة . . . . .
ولما حقر تعالى حال الدنيا بما ضربه من ذلك المثل ذكر أن ما افتخر به عيينه وأضرا به من المال والبنين إنما ذلك ) زِينَةُ ( هذه ) قَالُواْ لَن ( المحقرة ، وإن مصير ذلك إنما هو إلى النفاد ، فينبغي أن لا يكترث به ، وأخبر تعالى بزينة المال والبنين على تقدير حذف مضاف أي مقر ) زِينَةُ ( أو وضع المال والبنين منزلة المعنى والكثرة ، فأخبر عن ذلك بقوله ) زِينَةُ ( ولما ذكر مآل ما في الحياة الدنيا إلى الفناء اندرج فيه هذا الجزئي من كون المال والبنين زينة ، وأنتج . أن زينة الحياة الدنيا فإن إذ ذاك فرد من أفراد ما في الحياة الدنيا ، وترتيب هذا الإنتاج أن يقال ) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ( وكل ما كان ) زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ( فهو سريع الإنقضاء فالمال والبنون سريع الإنقضاء ، ومن بديهة العقل أن ما كان كذلك يقبح بالعاقل أن يفتخر به أو يفرح بسببه ، وهذا برهان على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد .
( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ( قال الجمهور هي الكلمات المأثور فضلها سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم . وقال ابن عباس وابن جبير وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل هي الصلوات الخمس . وعن ابن عباس أنه كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة ، ورجحه الطبري وقول الجمهور مروي عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) من طريق أبي هريرة وغيره . وعن قتادة : كل ما أريد به وجه الله . وعن الحسن وابن عطاء : أنا النيات الصالحة فإنّ بها تتقبل الأعمال وترفع ، ومعنى ) خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا ( أنها دائمة باقية وخيرات الدنيا منقرضة فانية ، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي . ) وَخَيْرٌ أَمَلاً ( أي وخير رجاء لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة دون ذي المال والبنين العاري من الباقيات الصالحات فإنه لا يرجو ثواباً .
الكهف : ( 47 ) ويوم نسير الجبال . . . . .
ولما ذكر تعالى ما يؤول إليه حال الدنيا من النفاد أعقب ذلك بأوائل أحوال يوم القيامة فقال ) وَيَوْمَ مِنْهُ الْجِبَالُ ( كقوله ) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً ). وقال : ) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ). وقال ) فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ). وقال ) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيّرَتْ ( والمعنى أنه ينفك نظام هذا العالم الدنيوي ويؤتي بالعالم الأخروي ، وانتصب ) وَيَوْمَ ( على إضمار اذكر أو بالفعل المضمر عند قوله ) لَّقَدْ جِئْتُمُونَا ( أي قلنا يوم كذا لقد . وقرأ نافع وحمزة والكسائي والأعرج وشيبة وعاصم وابن مصرّف وأبو عبد الرحمن ) نُسَيّرُ ( بنون العظمة الجبال بالنصب ، وابن عامر وابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى والزهري وحميد وطلحة واليزيدي والزبيري عن رجاله عن يعقوب بضم التاء وفتح الياء المشددة مبنياً للمفعول ) الْجِبَالُ ( بالرفع وعن الحسن كذلك إلاّ أنه بضم الياء باثنتين من تحتها ، وابن محيصن ومحبوب عن أبي عمر وتسير من سارت الجبال . وقرأ أبيّ سيرت الجبال ) وَتَرَى الاْرْضَ بَارِزَةً ( أي منكشفة ظاهرة لذهاب الجبال والظراب والشجر والعمارة ، أو ترى أهل الأرض بارزين من بطنها . وقرأ عيسى ) وَتَرَى الاْرْضَ ( مبنياً للمفعول ) وَحَشَرْنَاهُمْ ( أي أقمناهم من قبورهم وجمعناهم لعرصة القيامة .
وقال الزمخشري : فإن قلت : لم جيء بحشرناهم ماضياً بعد تسير وترى ؟ قلت : للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال والعظائم ، كأنه قيل : ) وَحَشَرْنَاهُمْ ( قبل ذلك انتهى . والأولى أن تكون الواو واو الحال لا واو العطف ، والمعنى وقد ) حشرناهم ( أي يوقع التسيير في حالة حشرهم . وقيل : ) بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ ( ) وَعُرِضُواْ ( ) وَوُضِعَ الْكِتَابُ ( مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوعه . وقرأ الجمهور : نغادر بنون العظمة وقتادة تغادر على الإسناد إلى القدرة أو الأرض ، وأبان بن يزيد عن عاصم كذلك أو بفتح الدال مبنياً للمفعول واحد بالرفع وعصمة كذلك ، والضحاك نغدر بضم النون وإسكان الغين وكسر الدال ،
الكهف : ( 48 ) وعرضوا على ربك . . . . .
وانتصب ) صَفَّا ( على الحال وهو مفرد تنّزل منزلة الجمع أي صفوفاً . وفي الحديث الصحيح : ( يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفاً يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ) . الحديث بطوله وفي حديث آخر : ( أهل الجنة يوم القيامة مائة وعشرون صفاً أنتم منها ثمانون صفاً ) . أو انتصب

الصفحة 127