" صفحة رقم 132 "
عليهم وتنبيه على فساد حالهم لأن هذا المنع لم يكن بقصد منهم أن يمتنعوا ليجيئهم العذاب ، وإنما امتنعوا هم مع اعتقاد أنهم مصيبون لكن الأمر في نفسه يسوقهم إلى هذا فكان حالهم يقتضي التأسف عليهم . و ) النَّاسِ ( يراد به كفار عصر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) الذين تولوا دفع الشريعة وتكذبيها قاله ابن عطية .
وقال الزمخشري : إن الأولى نصب والثانية رفع وقبلهما مضاف محذوف تقديره ) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ ( الإيمان ) إِلا ( انتظار ) أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الاْوَّلِينَ ( وهي الإهلاك ) أَوْ ( انتظار ) أَن يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابَ ( يعني عذاب الآخرة انتهى . وهو مسترق من قول الزجاج . قال الزجاج : تقديره ما منعهم من الإيمان ) إِلا ( طلب ) أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الاْوَّلِينَ ). وقال الواحدي : المعنى ما منعهم إلاّ أني قد قدّرت عليهم العذاب ، وهذه الآية فيمن قتل ببدر وأحد من المشركين ، وهذا القول نحو من قول من قال التقدير ) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ ( إلاّ ما سبق في علمنا وقضائنا أن يجري عليهم ) قُل لِلَّذِينَ ( من عذاب الاستئصال من المسخ والصيحة والخسف والغرق وعذاب الظلة ونحو ذلك ، وأراد بالأولين من أهلك من الأمم السالفة . وقال صاحب الغنيان : إلاّ إرادة أو انتظار أن تأتيهم سنتنا في الأولين ، ومن قدر المضاف هذا أو الطلب فإنما ذلك لاعتقادهم عدم صدق الأنبياء فيما وعدوا به من العذاب كما قال حكاية عن بعضهم ) إِن كَانَ هَاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ). وقيل : ) مَا ( هنا استفهامية لا نافية ، والتقدير وأي شيء ) مَنَعَ النَّاسَ ( أن ) يُؤْمِنُواْ ( و ) الْهُدَى ( الرسول أو القرآن قولان .
وقرأ الحسن والأعرج والأعمش وابن أبي ليلى وخلف وأيوب وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير والكوفيون بضم القاف والباء ، فاحتمل أن يكون بمعنى ) قُبُلاً ( لأن أبا عبيدة حكاهما بمعنى واحد في المقابلة ، وأن يكون جمع قبيل أي يجيئهم العذاب أنواعاً وألواناً . وقرأ باقي السبعة ومجاهد وعيسى بن عمر ) قُبُلاً ( بكسر القاف وفتح الباء ومعناه عياناً . وقرأ أبو رجاء والحسن أيضاً بضم القاف وسكون الباء وهو تخفيف قبل على لغة تميم . وذكر ابن قتيبة أنه قرىء بفتحتين وحكاه الزمخشري وقال مستقبلاً . وقرأ أبيّ بن كعب وابن غزوان عن طلحة قبيلاً بفتح القاف وباء مكسورة بعدها ياء على وزن فعيل .
الكهف : ( 56 - 57 ) وما نرسل المرسلين . . . . .
( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ ( أي بالنعيم المقيم لمن آمن ) وَمُنذِرِينَ ( أي بالعذاب الأليم لمن كفر لا ليجادلوا ولا ليتمنى عليهم الاقتراحات ) لِيُدْحِضُواْ ( ليزيلوا ) وَاتَّخَذُواْ ءايَاتِى ( يجمع آيات القرآن وعلامات الرسول قولاً وفعلاً ) وَمَا أُنْذِرُواْ ( من عذاب الآخرة ، واحتملت ) مَا ( أن تكون بمعنى الذي ، والعائد محذوف أي ) وَمَا ( أنذروه وأن تكون مصدرية أي وإنذارهم فلا تحتاج إلى عائد على الأصح ) هزؤاً ( أي سخرية واسخفافاً لقولهم أساطير الأولين . لو شئنا لقلنا مثل هذا وجداً لهم للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) قولهم ) وَمَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا ( ولو شاء الله لأنزل ملائكة وما أشبه ذلك ، والآيات المضاف إلى الرب هو القرآن ولذلك عاد الضمير مفرداً في قوله ) أَن يَفْقَهُوهُ ( وإعراضه عنها كونه لا يتذكر حين ذكر ولم يتدبر ونسي عاقبة ما قدّمت يداه من الكفر والمعاصي غير مفكر فيها ولا ناظر في أن المحسن والمسيء يجزيان بما عملا .
وتقدم تفسير نظير قوله ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِئَايِاتِ رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا ( ثم أخبر تعالى أن هؤلاء لا يهتدون أبداً وهذا من العام والمراد به الخصوص ، وهو من طبع الله على قلبه وقضى عليه بالموافاة على الكفر إذ قد اهتدي كثير من الكفرة وآمنوا ، ويحتمل أن يكون ذلك حكماً على الجميع أي ) وَإِن تَدْعُهُمْ ( أي ) إِلَى الْهُدَى ( جميعاً ) فَلَنْ يَهْتَدُواْ ( جميعاً ) أَبَدًا ( وحمل أولاً على لفظ من فأفرد ثم على المعنى في قوله ) إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ( فجمع وجعلوا دعوة الرسول إلى الهدى وهي التي تكون سبباً لوجود الإهتداء ، سبباً لانتفاء هدايتهم ، وهذا الشرط كأنه جواب للرسول عن تقدير قوله مالي لا أدعوهم إلى الهدى حرصاً منه عليه الصلاة والسلام على حصول إيمانهم ، فقيل : ) وَإِن تَدْعُهُمْ ( وتقييده بالأبدية مبالغة في انتفاء هدايتهم .
الكهف : ( 58 ) وربك الغفور ذو . . . . .
و ) الْغَفُورُ ( صفة مبالغة و ) ذُو الرَّحْمَةِ ( أي الموصوف