كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 138 "
ذلك أنه ضري بمشاهدة أمثاله عند موسى من العجائب ، واستأنس بأخواته فأعان الإلف على قلة الإهتمام انتهى . قال أبو بكر غالب بن عطية والداني عبد الحق المفسر : سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظة : مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام ، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم .
الكهف : ( 63 ) قال أرأيت إذ . . . . .
وقال الزمخشري : ) أَرَأَيْتَ ( بمعنى أخبرني فإن قلت : فما وجه التئام هذا الكلام فإن كل واحد من ) أَرَأَيْتَ ( و ) إِذْ أَوَيْنَا ( و ) فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ( لا متعلق له ؟ قلت : لما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك ، كأنه قال : ) أَرَأَيْتَ ( ما دهاني ) إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ( فحذف ذلك انتهى . وكون أرأيتك بمعنى أخبرني ذكره سيبويه : وقد أمعّنا الكلام في ذلك في سورة الأنعام وفي شرحنا لكتاب التسهيل .
وأما ما يختص بأرأيت في هذا الموضع فقال أبو الحسن الأخفش : إن العرب أخرجتها عن معناها بالكلية فقالوا : أرأيتك وأريتك بحذف الهمزة إذا كانت بمعنى أخبرني ، وإذا كانت بمعنى أبصرت لم تحذف همزتها قال : وشذت أيضاً فألزمتها الخطاب على هذا المعنى ، ولا تقول فيها أبداً أراني زيد عمراً ما صنع ، وتقول هذا على معنى أعلم . وشذت أيضاً فأخرجتها عن موضعها بالكلية بدليل دخول الفاء ألا ترى قوله ) أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ( فما دخلت الفاء إلاّ وقد أخرجت لمعنى إما أو تنبه ، والمعنى أما ) إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ ( فالأمر كذا ، وقد أخرجتها أيضاً إلى معنى أخبرني كما قدمنا ، وإذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه وتلزم الجملة التي بعدها الاستفهام ، وقد يخرج لمعنى أما ويكون أبداً بعدها الشرط وظرف الزمان فقوله ) فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ( ( معناه أما ) ( معناه أما ) إِذْ أَوَيْنَا ( ) فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ( أو تنبه ) إِذْ أَوَيْنَا ( وليست الفاء إلاّ جواباً لأرأيت ، لأن إذ لا يصح أن يجازي بها إلاّ مقرونة بما بلا خلاف انتهى كلام الأخفش . وفيه إن ) أَرَأَيْتَ ( إذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه ، وتلزم الجملة التي بعدها الاستفهام وهذان مفقود إن في تقدير الزمخشري ) أَرَأَيْتَ ( هنا بمعنى أخبرني ، ومعنى ) نَسِيتُ الْحُوتَ ( نسيت ذكر ما جرى فيه لك .
وفي قوله ) وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ ( حسن أدب سبب النسيان إلى المتسبب فيه بوسوسته و ) أَنْ أَذْكُرَهُ ( بدل اشتمال من الضمير العائد على الحوت ، والظاهر أن الضمير في ) وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا ( عائد على الحوت كما عاد في قوله ) وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَباً ( وهو من كلام يوشع . وقيل : الضمير عائد على موسى أي اتخذ موسى . ومعنى ) عَجَبًا ( أي تعجب من ذلك أو اتخاذاً ) عَجَبًا ( وهو أن أثره بقي إلى حيث سار . وقدره الزمخشري ) سَبِيلِهِ ( ) عَجَبًا ( وهو كونه شبيه السرب قال : أو قال ) عَجَبًا ( في آخر كلام تعجباً من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها ، أو مما رأى من المعجزتين وقوله : ) وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ( اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه . وقيل : إن ) عَجَبًا ( حكاية لتعجب موسى وليس بذلك انتهى .
وقال ابن عطية : ) وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا ( يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى أي اتخذ الحوت سبيلاً عجباً للناس ، ويحتمل أن يكون قوله ) وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ ( تمام الخبر ثم استأنف التعجب فقال من قبل نفسه ) عَجَبًا ( لهذا الأمر ، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات وأكل شقه ثم حيي بعد ذلك .
قال أبو شجاع في كتاب الطبري رأيته أتيت به فإذا هو شق حوت وعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيّ . قال ابن عطية : وأنا رأيته والشق الذي فيه شيّ عليه قشرة رقيقة ليست تحتها شوكة ، ويحتمل أن يكون ) وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ ( الآية إخباراً من الله تعالى وذلك على وجهين : إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر ) عَجَبًا ( أي تعجب منه ، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله ) عَجَبًا ( للناس انتهى . وقرأ حفص : ) وَمَا أَنْسَانِيهُ ( بضم الهاء وفي الفتح عليه الله وذلك

الصفحة 138