" صفحة رقم 177 "
زكريا . ويروى أنهم لما أشاروا إلى الطفل قالوا : استخفافها بنا أشد علينا من زناها ، ثم قالوا لها على جهة الإنكار والتهكم بها أي إن من كان في المهد يُربيّ لا يكلم ، وإنما أشارت إليه لما تقدم لها من وعده أنه يجيبهم عنها ويغنيها عن الكلام . وقيل : بوحي من الله إليها . و ) كَانَ ( قال أبو عبيدة : زائدة . وقيل : تامّة وينتصب ) صَبِيّاً ( على الحال في هذين القولين ، والظاهر أنها ناقصة فتكون بمعنى صار أو تبقى على مدلولها من اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي ، ولا يدل ذلك على الانقطاع كما لم يدل في قوله ) وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ( وفي قوله ) وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ( والمعنى ) كَانَ ( وهو الآن على ما كان ، ولذلك عبر بعض أصحابنا عن ) كَانَ ( هذه بأنها ترادف لم يزل وما ردّ به ابن الأنباري كونها زائدة من أن الزائدة لا خبر لها ، وهذه نصبت ) صَبِيّاً ( خبراً لها ليس بشيء لأنه إذ ذاك ينتصب على الحال ، والعامل فيها الاستقرار .
وقال الزمخشري : كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة والدال عليه معنى الكلام وأنه مسوق للتعجب ، ووجه آخر أن يكون ) نُكَلّمُ ( حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ) صَبِيّاً ).
) فِى الْمَهْدِ صَبِيّاً ( فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا انتهى . والظاهر أن ) مِنْ ( مفعول بنكلم . ونقل عن الفراء والزجاج أن ) مِنْ ( شرطية و ) كَانَ ( في معنى يكن وجواب الشرط محذوف تقديره فكيف ) نُكَلّمُ ( وهو قول بعيد جداً . وعن قتادة أن ) الْمَهْدِ ( حجر أمه . وقيل : سريره . وقيل : المكان الذي يستقر عليه .
مريم : ( 30 ) قال إني عبد . . . . .
وروي أنه قام متكئاً على يساره وأشار إليهم بسبابته اليمني ، وأنطقه الله تعالى أولاً بقوله ) قَالَ إِنّى عَبْدُ اللَّهِ ءاتَانِىَ ( ردّاً للوهم الذي ذهبت إليه النصارى .
وفي قوله ) عَبْدُ اللَّهِ ( والجمل التي بعده تنبيه على براءة أمّه مما اتهمت به لأنه تعالى لا يخص بولد موصوف بالنبوة والخلال الحميدة إلاّ مبرأة مصطفاة و ) الْكِتَابِ ( الإنجيل أو التوراة أو مجموعهما أقوال . وظاهر قوله ) وَجَعَلَنِى نَبِيّاً ( أنه تعالى نبأه حال طفوليته أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً . وقيل : إن ذلك سبق في قضائه وسابق حكمه ،
مريم : ( 31 - 32 ) وجعلني مباركا أين . . . . .
ويحتمل أن يجعل الآتي لتحققه كأنه قد وجد ) وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً ( قال مجاهد : نفاعاً . وقال سفيان : معلم خير . وقيل : آمراً بمعروف ، ناهياً عن منكر . وعن الضحاك : قضاء للحوائج ) وَلَوْ كُنتُ ( شرط وجزاؤه محذوف تقديره ) وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً ( وحذف لدلالة ما تقدم عليه ، ولا يجوز أن يكون معمولاً لجعلني السابق لأن ) أَيْنَ ( لا يكون إلاّ استفهاماً أو شرطاً لا جائز أن يكون هنا استفهاماً ، فتعينت الشرطية واسم الشرط لا ينصبه فعل قبله إنما هو معمول للفعل الذي يليه ، والظاهر حمل الصلاة والزكاة على ما شرع في البدن والمال . وقيل : ) الزَّكَواةَ ( زكاة الرؤوس في الفطر . وقيل الصلاة الدعاء ، و ) الزَّكَواةَ ( التطهر .
و ) مَا ( في ) مَا دُمْتُ ( مصدرية ظرفية . وقال ابن عطية . وقرأ ) دُمْتُ ( بضم الدال عاصم وجماعة . وقرأ ) دُمْتُ ( بكسر الدال أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو وانتهى والذي في كتب القراءات أن القراء السبعة قرؤوا ) دُمْتُ حَيّاً ( بضم الدال ، وقد طالعنا جملة من الشواذ فلم نجدها لا في شواذ السبعة ولا في شواذ غيرهم على أنها لغة تقول ) دُمْتُ ( تدام كما قالوا مت تمات ، وسبق أنه قرىء ) وَبَرّاً ( بكسر الباء فإما على حذف مضاف أي وذا بر ، وإما على المبالغة جعل ذاته من فرط بره ، ويجوز أن يضمر فعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفنيها واحد ، ومن قرأ ) وَبَرّاً ( بفتح الباء فقال الحوفي وأبو البقاء : إنه معطوف على ) مُبَارَكاً ( وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي ) أوصاني ( ومتعلقها ، والأولى إضمار فعل أي وجعلني ) براً ). وحكى الزهراوي وأبو البقاء أنه قرىء وبر بكسر الباء والراء عطفاً على ) نَبِيّاً وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً ).
وقوله : ) بِوَالِدَتِى ( بيان محل البر وأنه لا والد له ، وبهذا القول برأها قومها . والجبار كما تقدم المتعاظم وكان في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر