" صفحة رقم 191 "
بالتي فلا يتعين كون التي صفة ، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً و ) بِالْغَيْبِ ( حال أي وعدها وهي غائبة عنهم أو وهم غائبون عنها لا يشاهدونها ، ويحتمل أن تكون الباء للسبب أي بتصديق الغيب والإيمان به . وقال أبو مسلم : المراد الذين يكونون عباداً بالغيب أي الذين يعبدونه في السر ، والظاهر أن ) وَعْدَهُ ( مصدر . فقيل : ) مَأْتِيّاً ( بمعنى آتياً . وقيل : هو على موضوعه من أنه اسم المفعول . وقال الزمخشري : ) مَأْتِيّاً ( مفعول بمعنى فاعل ، والوجه أن الوعد هو الجنة وهم يأتونها ، أو هو من قولك أتى إليه إحساناً أي كان وعده مفعولاً منجزاً ، والقول الثاني وهو قوله : والوجه مأخوذ من قول ابن جريج قال : ) وَعْدَهُ ( هنا موعوده وهو الجنة ، و ) مَأْتِيّاً ( يأتيه أولياؤه انتهى .
مريم : ( 62 ) لا يسمعون فيها . . . . .
( إِلاَّ سَلَاماً ( استثناء منقطع وهو قول الملائكة ) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ). وقيل : يسلم الله عليهم عند دخولها . ومعنى ) بُكْرَةً وَعَشِيّاً ( يأتيهم طعامهم مرتين في مقدار اليوم والليلة من الزمن . وقال مجاهد : لا بكرة ولا عشي ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا . وقد ذكر نحوه قتادة أن تكون مخاطبة بما تعرف العرب في رفاهة العيش . وقال الحسن : خوطبوا على ما كانت العرب تعلم من أفضل العيش ، وذلك أن كثيراً من العرب إنما كان يجد الطعام المرة في اليوم ، وكان عيش أكثرهم من شجر البرية ومن الحيوان . وقال الزمخشري : اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته ، وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو واتقائه حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها . وما أحسن قوله ) وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً ( ) وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ( الآية أي أن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم ) لَغْواً ( فلا يسمعون لغواً إلاّ ذلك فهو من وادي قوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب أو ) لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا ( إلاّ قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة على الاستثناء المنقطع ، أو لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة ، ودار السلام هي دار السلامة وأهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء . فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الكلام . وقال أيضاً : ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير . ولأن المتنعم عند العرب من وجد غداءً وعشاءً . وقيل : أراد دوام الرزق ودروره كما تقول : أنا عند فلان صباحاً ومساءً وبكرةً وعشياً ، ولا يقصد الوقتين المعلومين انتهى .
مريم : ( 63 ) تلك الجنة التي . . . . .
وقرأ الجمهور ) نُورِثُ ( مضارع أورث ، والأعمش نورثها بإبراز الضمير العائد على الموصول ، والحسن والأعرج وقتادة ورويس وحميد وابن أبي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمر وبفتح الواو وتشديد الراء . والتوريث استعارة أي تبقى عليه الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث ، والأتقياء يلقون ربهم قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة ، فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى . وقيل : أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا .
مريم : ( 64 ) وما نتنزل إلا . . . . .
( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ( أبطأ جبريل عن الرسول مرة ، فلما جاء قال : ( يا جبريل قداشتقت إليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا ) ؟ فنزلت . وقال مجاهد والضحاك : سببها أن جبريل عليه السلام تأخر في السؤالات المتقدمة في سورة الكهف وهي كالتي في الضحى ، وتنزل تفعل وهي للمطاوعة وهي أحد معاني تفعل ، تقول : نزلته فتنزل فتكون لمواصلة العمل في مهلة ، وقد تكون لا يلحظ فيه ذلك إذا كان بمعنى المجرد كقولهم : تعدى